وهذه بعض من نماذج ما قاله علماء الأصول بشأن تعريف الاستصحاب اصطلاحا، نذكرها ونحاول التعليق عليها والربط بينها.
فقد عرفه حجة الإسلام الغزالي [1] :
بأنه"عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي وليس راجعا إلى عدم العلم بالدليل" [2] .
وقريب منه:
ما ذكره العلامة تاج الدين ابن السبكي [3] - بعد أن قسم الاستصحاب وضرب له الأمثلة- عرفه بأنه"هو ثبوت أمر في الثاني لثبوته في الأول لعدم وجدان ما يصلح أن يكون مغيرا بعد البحث التام" [4] .
ولعلنا نلاحظ:
أن تعريف ابن السبكي هذا يوافق ما انتهى إليه حجة الإسلام الغزالي من ضرورة استنفاذ الباحث عن دليل يمكن أن يكون قد غير الحكم الثابت في الزمن السابق إلى حكم آخر، ولهذا فإذا استنفذ المجتهد طاقته فلم يجد ذلك المغير فلا مناص من أن يستصحب الحكم إلى زمن الحال والمستقبل.
وقد قسم بعض العلماء- كالبيضاوي وابن السبكي والاسنوي وغيرهم- هذه الأدلة المختلف فيها إلى نوعين: أدلة مقبولة، وأخرى مردودة.
فقد ذكر الاسنوي في شرحه لمنهاج البيضاوي: أنه لما فرغ- أي البيضاوي- من الكتب الأربعة المعقودة للأدلة الأربعة المتفق عليها شرع في كتاب آخر لبيان الأدلة المختلف فيها وجعله مشتملا على بابين: الأول: في المقبول منها، والثاني: في المردود. فأما المقبول فستة: الأول: الأصل في الأشياء النافعة هو الإباحة- وفي الأشياء الضارة هو الحرمة وذكر أن الثاني منها هو الاستصحاب، وذكر أن المردود منها دليلان هما: الاستصحاب وقول
(1) هو: الإمام محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي حجة الإسلام أبو حامد المولود سنة 450 هـ وله التصانيف العديدة منها"المستصفى"و"المتخول"في أصول الفقه وله في الفقه: الوسيط، والوجيز، والخلاصة فضلا عن إحياء علوم الدين وتوفى رحمه الله سنة 505 هـ
راجع: شذرات الذهب 4/ 10، وفيات الأعيان 3/ 353 وطبقات الأصوليين 2/ 8.
(2) راجع: المستصفى 2/ 128.
(3) هو: تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي الشافعي صاحب التصانيف القيمة وله في أصول الفقه: جمع الجوامع، والإبهاج شرح المنهاج وغيرهما وتوفى رحمه الله سنة 771 هـ. راجع: طبقات الأصوليين 2/ 184، 185
(4) راجع: الإبهاج شرح الإمام السبكي وابنه على منهاج البيضاوي 3/ 85 طبعة الكليات الأزهرية.