خاص أو معلومات معينة فيما يتعلق بالنزاع المطروح أمامه، فيجب عليه أن يقدم هو نفسه الدليل كشاهد أمام المحكمة، قد اتبعها القضاء السوداني" [1] "
الرأي المختار:
أولاً: بعد عرض كل الآراء السابقة فإنني أرى رجحان الرأي القائل بعدم جواز أن يحكم القاضي استناداً إلى علمه الشخصي بالوقائع المعروضة عليه سواء في الحدود أو الحقوق المشتركة كالقصاص وخاصة في إثبات جريمة القتل العمد للأدلة التي استند إليها القائلون بهذا الرأي.
ثانياً: قضاء القاضي بعلمه الشخصي وإن كان مستساغاً في بعض الأزمنة خاصة في صدر الإسلام فإن تجويزه في أيامنا أمر يصعب تصوره لأن الإيمان قد ضعف، ولأن كثيراً من الناس يضعون مصالحهم الشخصية في المقام الأول دون إقامة وزن لموقف الشرع وتعليماته حتى لو وجد بعض القضاة الأمناء ذوي السمعة الطيبة، لكن ماذا عساناً أن نفعل في قضاة الغد ونحن لا نعلم عنهم شيئاً، والاحتياط لدماء الناس وأعراضهم وأموالهم أمر في غاية الأهمية لا يقبل التفريط أو التساهل. وما أحسن قول ابن القيم في هذه القضية:"ولقد كان سيد الحكام صلوات الله عليه وسلامه يعلم من المنافقين ما يبيح دماءهم وأموالهم، ويتحقق ذلك، ولا يحكم فيهم بعلمه، مع براءته عند الله وملائكته، وعباده المؤمنين من كل تهمة، لئلا يقول الناس إن محمداً يقتل أصحابه. ولما رآه بعض أصحابه مع زوجته صفية بنت حيي قال: (رويدكما إنها صفية بنت حيي) لئلا يقع في نفوسهما تهمة له. ومن تدبر الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح وسد الذرائع تبين له الصواب في هذه المسألة" [2]
ثالثا: كما أن القضاة بشر يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم أو كما قال الشافعي: (لولا قضاة السوء لقلت إن القاضي يحكم بعلمه) . كما أن كثيراً من المحكوم عليهم لا تسلم بسهولة بتلك الأحكام الصادرة عليهم سيحاولون الطعن فيها بمختلف الطرق على أسباب ظاهرة، فكيف يكون الوضع إذا أعطى القضاة الحق بالاعتماد على معلوماتهم الشخصية في الوقائع المنظورة أمامهم. أو ليس في هذا المنع حماية للقاضي نفسه ولمكانة القضاء من أن تزلزل في نفوس الناس. كذلك فإن صفة القاضي بالنسبة لمعلوماته الشخصية أنه (شاهد) وثمة تناقض بين صفتي القاضي والشاهد.
رابعاً: فإن المعلومات الشخصية للقاضي لا تعرض في جلسة المحكمة ولا تتاح فرصة مناقشتها وتقويمها ومن ثم الاعتماد عليها مناقضاً لمبدأ الشفوية والمواجهة الذي يسود مرحلة المحاكم. كما أرى أننا لو أخذنا برأي من يرى جواز أن يقضي القاضي بعلمه
(1) كريشنا فاسديف (د) : أحكام الإثبات ـ تعريب هنري رياض وعبد العزيز صفوت ـ دار الجيل ـ بيروت ـ ص46، ص47.
(2) ابن القيم: الطرق الحكمية ـ ص155.