أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَاخُذْهَا» [1]
قال المخالف: هذا الحديث لا تقوم به حجة لهم لأن التنصيص على السماع لا يغني كون غيره طريقاً للحكم، مع أنه يمكن أن يقال إن الاحتجاج بهذا الحديث للذين يجيزون القضاء بالعلم أظهر فإن العلم أقوى من السماع لأنه لا يمكن بطلان ما سمعه الإنسان ولا يمكن بطلان ما يعلم.
الرد على الاستدلال بحديث (شاهداك أو يمينه) :
حديث الأشعث بن قيس الكندي:"َانَ بَيْنِى وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِى شَىْءٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم ـ فَقَالَ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ" [2]
قال المخالف:"وهذا قد خالفه المالكيون المحتجون به، فجعلوا له الحكم باليمين مع الشاهد، واليمين مع نكول خصمه، وليس هذا مذكورا في الخبر، وجعل له الحنفيون الحكم بالنكول وليس ذلك في الخبر، وأمروه بالحكم بعلمه في الأموال التي فيها جاء هذا الخبر، فقد خالفوه جهارا وأقحموا فيه ما ليس فيه" [3]
ويضيف ابن حزم:"وأما نحن فنقول أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بينتك أو يمينه) ومن البينة التي لا بينة أبين منها صحة علم الحاكم بصحة حقه، فهو في جملة هذا الخبر" [4]
الرد على احتجاجهم بحديث عيسى بن مريم عليه السلام:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ رَجُلاً يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ أَسَرَقْتَ قَالَ لاَ وَاللَّهِ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ بَصَرِى» [5]
أجاب المخالف: قال ابن حزم:"ليس يلزمنا شرع عيسى عليه السلام وقد يخرج هذا الخبر على أنه رآه يسرق أي يأخذ الشيء مختفيا بأخذه فلما قرره حلف وقد يكون صادقا لأنه أخذ ماله من ظالم له" [6]
الرد على قصة أبي جهم بن حذافة:
قال المخالف: أما قصة أبي جهم فليست من القضاء في شئ، وإنما هي من باب السياسة الشرعية وتأليف القلوب، وتقوية الإيمان في النفوس، فقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يضرب لأصحابه مثلاً في التسامح والعفو، ولأنهم قوم جاهلون، فلم يؤاخذهم بما صدر منهم، ولو كان ذلك من القضاء لأحضر النبي صلى الله عليه وسلم أبا جهم ليدافع عن نفسه، وليجعل القضية تأخذ مجراها كسائر القضايا.
أما الآثار المروية عن أبي بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف:
(1) البخاري: الحديث رقم 2680.
(2) البخاري: الحديث رقم 2670.
(3) ابن حزم: المحلى ـ ج8 ص525.
(4) ابن حزم: السابق ـ ج8 ص526.
(5) النسائي: سنن النسائي الحديث رقم 5444.
(6) ابن حزم: المحلى ـ ج8 ص526.