فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 868

وضاقت بي الدنيا بما رحبت ..

ورحت أقرأ الظلال:

إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. . قالوا: فيم كنتم ? قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ? فأولئك مأواهم جهنم, وساءت مصيرا. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان, لا يستطيعون حيلة, ولا يهتدون سبيلا. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم, وكان الله عفوا غفورًا. .

لقد كان هذا النص يواجه حالة واقعة في الجزيرة العربية - في مكة وغيرها - بعد هجرة رسول الله [ص] وقيام الدولة المسلمة. فقد كان هناك مسلمون لم يهاجروا. حبستهم أموالهم ومصالحهم - حيث لم يكن المشركون يدعون مهاجرا يحمل معه شيئا من ماله - أو حبسهم إشفاقهم وخوفهم من مشاق الهجرة - حيث لم يكن المشركون يدعون مسلما يهاجر حتى يمنعوه ويرصدوا له في الطريق. . وجماعة حبسهم عجزهم الحقيقي, من الشيوخ والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة للهرب ولا يجدون سبيلا للهجرة

وقد اشتد أذى المشركين لهؤلاء الباقين من أفراد المسلمين ; بعد عجزهم عن إدراك الرسول [ص] وصاحبه, ومنعهما من الهجرة. وبعد قيام الدولة المسلمة. وبعد تعرض الدولة المسلمة لتجارة قريش في بدر, وانتصار المسلمين ذلك الانتصار الحاسم. فأخذ المشركون يسومون هذه البقية المتخلفة ألوانا من العذاب والنكال, ويفتنونهم عن دينهم في غيظ شديد.

وقد فتن بعضهم عن دينهم فعلا ; واضطر بعضهم إلى إظهار الكفر تقية, ومشاركة المشركين عبادتهم. . وكانت هذه التقية جائزة لهم يوم أن لم تكن لهم دولة يهاجرون إليها - متى استطاعوا - فأما بعد قيام الدولة, ووجود دار الإسلام فإن الخضوع للفتنة, أو الالتجاء للتقية, وفي الوسع الهجرة والجهر بالإسلام, والحياة في دار الإسلام. . أمر غير مقبول. ( ... ) ..

كنا مستضعفين. يستضعفنا الأقوياء. كنا أذلاء في الأرض لا نملك من أمرنا شيئا.

وعلى كل ما في هذا الرد من مهانة تدعو إلى الزراية ; وتنفر كل نفس من أن يكون هذا موقفها في لحظة الاحتضار, بعد أن يكون هذا موقفها طوال الحياة. . فإن الملائكة لا يتركون هؤلاء المستضعفين الظالمي أنفسهم. بل يجبهونهم بالحقيقة الواقعة ; ويؤنبونهم على عدم المحاولة , والفرصة قائمة:

قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟! ..

إنه لم يكن العجز الحقيقي هو الذي يحملهم - إذن - على قبول الذل والهوان والاستضعاف , والفتنة عن الإيمان. . إنما كان هناك شيء آخر. . حرصهم على أموالهم ومصالحهم وأنفسهم يمسكهم في دار الكفر , وهناك دار الإسلام. ويمسكهم في الضيق وهناك أرض الله الواسعة. والهجرة إليها مستطاعة ; مع احتمال الآلام والتضحيات.

وهنا ينهي المشهد المؤثر , بذكر النهاية المخيفة:

فأولئك مأواهم جهنم , وساءت مصيرًا. .

ثم يستثني من لا حيلة لهم في البقاء في دار الكفر ; والتعرض للفتنة في الدين ; والحرمان من الحياة في دار الإسلام من الشيوخ الضعاف , والنساء والأطفال ; فيعلقهم بالرجاء في عفو الله ومغفرته ورحمته ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت