فدلت هذه الأحاديث على استحقاق الناس كلهم للماء الذي هو مادة الحياة، كما قال الله تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} لأن الإنسان قد يستغني عن الطعام أياما وليالي، لكنه لا يستغني عن الشراب يوما واحدا، ولأمر ما جعله الله تعالى ثلاثة أضعاف اليابسة؛ لافتقار كل الكائنات إليه، غير أن من يحوزه يكون مالكا له، ومع ذلك يتعين بذل ما فضل عن حاجته لنفسه أو دابته بعوض إن لم يجد بالعفو، فإنه لا يضار ببذله مجانا؛ احتراما لخصوصية الملك، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه، قالوا: وإن كان شيئا قليلا؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك".
وحق المرور ثابت لصاحب البستان, أو الثمر في البستان، أو صاحب الدار أو ساكنه .. حيث لا يتوصل إلى استيفاء حقه إلا به، وقد ترجم البخاري في المساقات من صحيحه عن هذا الحق بقوله: باب الرجل يكون له ممر أو شِرب في حائط أو نخل.
وهذا ما نصت عليه مجلة الأحكام العدلية في المادة رقم 1225 إذ جاء فيها: إذا كان لواحد حق المرور في عرصة آخر فليس لصاحب العرصة أن يمنعه من المرور والعبور.
وجاء في شرحها: أن من ثبت له حق المرور بالرجل فله المرور بالرجل والحافر، ونقل عن (جامع الفصلين) قوله: إن من شرى شجرة وقطعها، واستأجر أرضًا بجانب الشجرة ولهذه الأرض المستأجرة طريق في بستان رجل؛ فلمشتري الشجرة أن يمر في هذا الطريق بخشبه ودوابه للحاجة إلى الطريق، كما سيأتي بيانه في بحث: ضوابط حقوق الارتفاق.
وحق الجوار ثابت فكل من الجارين له الحق في الارتفاق بعقار جاره بشرط عدم الضرر البين بالآخر
وقد عنيت الشريعة الإسلامية بهذا الحق عناية كبيرة، حيث عظم الله تعالى من شأن الجار، وجعله قرين الوالدين في الإحسان والرعاية، كما قال سبحانه: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب ... } [النساء 36] أي وأن تحسنوا إلى الجار قريبًا كان أو غير قريب، لأن الجوار مدعاة للنصرة والحماية.
ومن لوازم الإحسان أن لا يمنعه الاستفادة من جداره ما دام لا يضره ذلك، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» ثم يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: مالي أراكم عنها- أي هذه السنة- معرضين؟! ثم قال: والله لأرمينَّ بها بين أظهركم أي أحملكم مسئوليتها إن لم تطبقوها.
وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، إلا أنهم اختلفوا هل ذلك على سبيل الوجوب أم الندب؟