فهذه الحقوق حافظت عليها الشريعة الإسلامية لما فيها من صيانة وحماية لكل فرد.
وقد تكفل الفقه الإسلامي بحل هذه المشاكل بأحكامه العادلة، وذلك على النحو التالي:
فحق الشِّرب، ويسمى حق الإجراء: قضى به النبي صلى الله عليه وسلم للزبير رضي الله تعالى عنه، لمِّا أراد الأنصاري أن يمنعه منه فقال عليه الصلاة والسلام: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء .. » ثم قال: «اسق حتى يبلغ الجدر»
وقول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لمن منع جاره من إرسال الماء في أرضه: (والله ليمرَّن به ولو على بطنك)
وقد اتفق العلماء على مقتضى ما دل عليه هذا الحديث، فإنه ظاهر الدلالة في استحقاق الأول لسبقه، فكان أحق بالانتفاع حتى يستوعب حقه إن أراد، لكن الأولى له أن يؤثر غيره ببعض حقه، كما ندب النبي صلى الله عليه وسلم الزبير في بادئ الأمر مادام أن هذا من حظوظ الدنيا، فقد أثنى الله تعالى على المؤثرين بقوله: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} وهو منهج الإسلام في السماحة والزهد في الدنيا.
ويدخل في هذا النوع الماء الجاري بواسطة أنابيب المياه وخراطيمها التي تمتد للبيوت والمزارع ونحوها، فإنها تأخذ حكم الشرب في الاستحقاق: الأول فالأول.
وذكر الدكتور رواس والدكتور إبراهيم محمد عثمان أنواع المياه التي يُرتفق بها بالشرب، وهي: الماء المحرز وأن لصاحبه حرية التصرف فيه إلا أن يضطر الغير إليه، وغير المحرز فليس له ذلك، ومياه الأنهار الخاصة فليس له أن يمنع من الشرب منها وله المنع من السقي، ومياه الأنهار العظيمة التي ليس عليها ملك لأحد.
وحق الشفة أمر مشاع لكل إنسان أو حيوان لحديث: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» وجاء في رواية: «وثمنه حرام»
فيشرع للإنسان أن يأخذ ما يحتاجه لنفسه أو دابته ما شاء من الماء العام، أو ما فضل عن حق أخيه بثمن مثله من الماء المملوك أو المحرز إن لم يمنحه من عنده، ولا يحل له أن يمنعه، فإن منعه فله مقاتلته لأنه يحفظ بذلك مهجته، وذلك واجب عليه كما هو معلوم من المقاصد الشرعية في حفظ الكليات الخمس الضرورية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضول الماء بعد الجري، ومنع طروق الفحل إلا بجُعل» وقال: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ»
وقال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل .. » زاد في رواية «يقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك»