وقد نحوا في هذا نحو السادة الأحناف الذين صرحوا بأنه لو حفر الثاني بئرا في منتهى حريم البئر الأولى - وهو أربعون ذراعا كما تقدم- وتحول إلى الثانية فلا شيء عليه، قالوا: لأنه غير متعد، والماء تحت الأرض لا يملك، فلا مخاصمة، كمن بنى حانوتا بجانب حانوت غيره فكسدت الحانوت الأولى بسببه، فإنه لا شيء عليه
ولعل ما ذهب إليه السادة الأحناف والشافعية هو الصواب؛ إ عمالا لقاعدة: الضرر لا يزال بالضرر، فمحافظتنا على صاحب البئر القديمة لا يكون على حساب صاحب الأرض، فليس ذلك بأولى في النفع من هذا، وإذا تزاحمت الحقوق وجب العدل بين الجيران بما لا وكس فيه ولا شطط، وهو ما قرره السادة الشافعية والأحناف، من أنه ينتفع بأرضه على العادة بحيث لا يلحق الضرر بجاره.
الدار: وهي اسم للساحة التي أدير عليها الحدود، وتشتمل على بيوت واصطبل وصحن غير مسقف وعلو، فيجمع فيها بين الصحن للا سترواح ومنافع الأبنية للإسكان. حريمها مطرح رماد وتراب وكناسة وثلج، ومصب ميزاب، ما لم تكن محفوفة بدور كما في المدن والقرى المزدحمة، فإنه لا حريم لها يخصها، لكن لكل واحد منهم الانتفاع بالطرق والأزقة بحسب العادة ما لم يضر بالآخرين وإلا منع منه إذ:"لا ضرر ولا ضرار."
وقد حددت قوانين البلديات في كل بلد ما يجب توفيره من مساحات ارتداد بين كل دار وأخرى، بما يطول ذكره؛ تحقيقا لمصلحة كل ساكن، وقطعا لدابر الخصومة بين الناس نتيجة للشح وكثرة الاحتكاك.
الطريق وهو من أعظم المرافق التي يحتاجها الناس، وهي نوعان: عام وخاص. والشريعة الإسلامية أولت الطرق عنايتها الفائقة لعظيم حاجة الناس إليها، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا: يا رسول الله مالنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقه؟ قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"
وإذا كان الشارع قد راعى آداب الطريق فأحكامه من باب أولى، وهي التي بينها الفقهاء، وأطالوا النفس في بحثها بدقة، وكان مما قرروه ما يلي:
مساحته، فقرروا أنها تختلف باختلاف نوع الطرق: خاصة أم عامة، رِجل أم حافر أم سيارة، فإن كان الطريق خاصا بأهل حي، فلهم أن يتفاهموا بشأنه بما يحقق لهم النفع من غير ضيق، وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قضى إذا تشاجروا في الطريق الميتاء- أي السهلة التي يأتيها الناس من كل مكان- ببسبعة أذرع وفي رواية لمسلم: إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه سبعة أذرع.
والحكمة في جعلها سبعة أذرع كما ذكر الحافظ ابن حجر لتسلكها الأحمال والأثقال دخولا وخروجا ويسع ما لا بد لهم من طرحه عند الأبواب، ويلتحق بأهل البنيان من قعد للبيع في حافة الطريق، فإن كانت الطريق أزيد من سبعة أذرع لم يمنع من القعود في الزائد، وأن كان أقل منع لئلا يضيق الطريق على غيره