بفعل ذلك بحسب استطاعتها في أوساط المدن أو ضواحيها؛ توسعة على الناس وتوفيرا للأجواء اللائقة للإنسان والحيوان.
والبئر مرافقها ما يتصل بها من الأرض لئلا يحدث فيها ما يضر بها، لا باطنًا من حفر بئر ينشف ماءها أو يذهبه, أو بغيره بطرح نجاسة يصل إليها وسخها، ولا ظاهرًا كالبناء والغراس، مما يؤثر على موقف النازح والحوض والدولاب ومجتمع الماء ومتردد الدواب، وقد قدره بعضهم بأربعين ذراعًا من كل جانب؛ لما ورد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في حريم البئر أربعون ذراعًا حواليها كلها لإعطان الإبل والغنم وابن السبيل أو شارب, ولا يمنع فضل ماء ليمنع به الكلأ»
وقال مالك فيما سمعه عنه أشهب: لا يكون حريم الآبار إلا في والفلوات التي لا تملك، يعني أما في البنيان أو في ملك الإنسان فإنه لا حريم لها. لأنها حينئذ في أرض محياة وليست في موات.
غير أن السادة المالكية قرروا أن من أراد أن يحفر بئرا في ملك نفسه ويخاف منه الإضرار بجاره لم يكن له ذلك، وقيل: إن كان له مندوحة عنه فليس له ذلك، وإن لم يكن له مندوحة عنه فله ذلك.
وذهب السادة الحنابلة لنحو ذلك، فقرروا أن من كانت له بئر فيها ماء، فحفر آخر بئرا في القرب منها لينسرق إليها ماء البئر الأولى فليس له ذلك، سواء كان الذي حفر البئر الثانية في ملكه، أو كانتا في أرض موات فسبق أحدهما فحفر فيها بئرا تجتذب ماء الأولى لمافي ذلك من إحداث الضرر بالجار وقد قال صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار، لكن قالوا: إنه لو أمر حافر البئر بسدها ليعود الماء للبئر الأولى فلم يعد ماء الأولى كلف صاحب البئر الأولى، حفر البئر التي سدت من أجله من ماله؛ لأنه تسبب بسدها من غير حق وهذا لعمرو الله عدل مع منعهم صاحب الأرض الانتفاع بأرضه.
أما السادة الشافعية فقد أعطوا الحق كله لصاحب الأرض ليتصرف في أرضه كما يشاء فيما جرت به العادة، وإن تضرر به جاره، قالوا: فلا يمنع مِن حفر بئرِِ في ملكه ينقص ماء بئر جاره؛ لتصرفه في ملكه، فيتصرف في ملكه على العادة في التصرف وإن تضرر به جاره، أو أفضى إلى إتلاف ماله، كأن سقط بسبب حفره المعتاد جدار جاره، قالوا: لأن المنع من ذلك ضرر لا جابر له، ولا ضرر ولا ضرار، فإن تعدى في تصرفه بملكه ضمن.
وقد أراد الشافعية التوسط في إعطاء صاحب الحق التصرف بماله، لأن منعه من ذلك إلحاق ضرر به من غير وجه حق، مادام أنه يتصرف تصرفا عاديا، وإلا لأفضى ذلك إلى الحجر على الناس من التصرف بأموالهم خشية الضرر بالغير، هذا إذا كان يتصرف في ملكه أما لو كان الحفر في موات فليس له ذلك، لأن الحفر في الموات ابتداء تملك، فلا يمكن منه إذا تضرر به الغير