لان القصة المروية عن عمر رضي الله عنه اشتهرت و لم تنكر، ولأنها تصرف تمحض نفعا للصبي فصح منه، وذلك لان الوصية صدقة يحصل ثوابها بعد غناه عن ملكه وماله فلا يلحقه ضرر في عاجل دنياه ولا أخرته [1] .
النوع الثالث: تصرفات دائرة بين النفع و الضر كالبيع و الشراء أو الإيجارة و سائر المعاوضات المالية مما يحتمل الربح و الخسارة.
فهذه متوقفة على إجازة ممثله الشرعي الولي أو الوصي لنقص الأهلية في حقه، فإن أجازه صار نافذا من حين وقوعه لان الإجازة اللاحقة كالإذن السابق، و إذا رفضه اعتبر باطلا منذ وقوعه أيضا. وهذا عند الحنفية [2] . وبه قال المالكية إلا أنهم قالوا: إن تعينت المصلحة في تصرفات الصبي تعين على الولي إجازتها، و إن تعينت المفسدة في ردها يجب عليه ردها [3] وان استوت المصلحة في الإجازة و الرد يكون الولي بالخيار إن شاء أجازها و إن شاء ردها وقال الحنابلة: بصحة التصرفات في حدود ما يأذن به الولي أو الوصي [4] .
وذهب الشافعية إلى بطلان جميع تصرفات الصغير مميز كان أو غير مميز، أذن له ممثله الشرعي أو لم يأذن [5] لقوله صلى الله عليه وسلم:"رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق و عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم" [6] .
قال النووي: وجه الدلالة - من هذه الحديث- انه لو صح البيع لزم منه وجوب التسليم إلى الصبي وقد صرح الحديث بأن الصبي لا يجب عليه شيء، قيل أن مقتضى الحديث إسقاط أقواله و أفعاله لعدم التكليف [7] ولان العقود الموقوفة باطله عندهم، لانعدام أهلية الأداء.
ويبدو لي أن الراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية و غيرهم من صحة تصرفات الصبي إذا أذن له وليه في إبرامها لقوله تعالى:""وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ"لنساء 6، والابتلاء هو الاختبار ويتحقق الاختبار بتفويضهم البيع و الشراء و الإجارة ونحو ذلك."
(1) بدائع الصنائع: 7/ 171، الاستذكار ابن عبد البر: 8/ 271 معنى المحتاج 4/ 67، المغني لابن قدامه: 8/ 508، الإشراف على مذاهب أهل العلم، ابن المنذر: 4/ 449.
(2) بدائع الصنائع للكاساني: 7/ 171 أصول السرخسي: 2/ 349.
(3) الشرح الكبير بحاشية الدسوقي: 3/ 292.
(4) كشاف القناع للبهوتي 3/ 530 ط عالم الكتب بيروت
(5) المجموع النووي 9/ 182
(6) تقدم تخريجه
(7) المجموع النووي 9/ 282