الصفحة 14 من 42

هي التي يبلغ فيها الصبي سنًا يميز فيها معني ألفاظ العقود في الجملة، ويعرف المراد منها عرفًا، وقد حدد الفقهاء المتأخرون الحد الأدنى للتمييز رغبة منهم في ضبط الأحكام واستقرارها بسبع سنين ويمتد إلى البلوغ.

استدلالًا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع) رواه أبو داوود [1] . وفي هذا دلالة على مبدأ سن التمييز في نظر الشرع، وفيه أيضًا دلالة على تمتع الصبي في هذه السنن بأهلية أداء، ولو قاصرة، لتصح منه الصلاة [2] ، قال تعالى:"وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ"النساء 6، فالآية تأمر أولياء الأمور باختبار الصبي قبل بلوغ الحلم والرشد، وذلك بدفع شيء من أمواله إليه ويأذن له بالتجارة، فالابتلاء الاختبار، فكان الإذن بالاختبار إذًا بالتجارة، وتدريبه على ممارسة البيوع، فلو لم يكن للصبي أن يباشر البيع لما حصل له العلم بصلاحيته للتعاقد [3] ، قال القرطبي: (فإذا توسم الولي منه الخير لا بأس أن يدفع إليه شيئًا من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار) [4] .

وإذا وصل الصبي إلى سن التمييز فقد أصبح له استعداد وقابليات وسط بين حال الطفل غير المميز وحال البالغ، ولهذا اقتضى أن يفتح له مجال التصرف بصورة مقيدة ليتعود عليه، ويتمرن على شؤون الحياة والأعمال التي أصبح على وعي صحيح لها، ولكنه من جهة أخرى يحتاج إلى حماية حقوقه من سوء تصرفاته، وأخطائه المتوقعة، لهذا أثبت له جمهور الفقهاء أهلية أداء قاصرة في تصرفاته المالية خلافًا للشافعية الذين يعدون أهلية الصغير واحدة سواء أكان مميزًا أم غير مميز، وحاجته للتمرين وممارسة الأعمال لا تقتضي اعتبار تصرفاته، وإنما يمارسها على سبيل التمرين، وعند العقد يقوم الولي أو الوصي به.

وأداء الصبي المميز للعبادات صحيح، لوجود التمييز عنده ولكنه لا يطالب بها على سبيل الوجوب أو التكليف ويطالب وليه بأن يأمره بالصلاة تعويدًا له على الطاعة وفعل الخير.

ويجب في ماله ضمان ما أتلفه لغيره، كما تجب في ماله نفقة زوجته وأقاربه لأن المقصود منها المال وأداؤه يحتمل النيابة فيصح للصبي المميز أداؤه، فإن لم يؤده أداه وليه، كما تجب الزكاة في ماله عند جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية

(1) سنن أبي داوود: كتاب الصلاة: باب متى يؤمر الصبي بالصلاة رقم الحديث (495)

(2) الزيلعي تبيين الحقائق 3/ 48

(3) الكاساني: بدائع الصنائع: 7/ 170

(4) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 5/ 31

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت