وهناك فارق جوهري في مسألة التسعير لا يتنبه له كثير من الباحثين، وهو الفرق بين مسألة (الأصل العام في التسعير) ومسألة (التسعير للمصلحة الراجحة) والخلط بينهما أوحى بندرة من يرى مشروعية التسعير، حتى ظن كثير من الباحثين أن القائلين بمشروعية التسعير للمصلحة هم قلة من الفقهاء! ونبه على الفرق بين المرتبتين كثيرٌ من أهل العلم، ومن أوضحها تنبيه الجويني في نهاية المطلب (6/ 63) .
والمراد أن الأصل في الدولة المسلمة أن لا تتدخل في الأسعار، وهذا هو قول المذاهب الأربعة لأهل السنة، وهو قول مشهور معروف، وقد احتجوا بالحديث الصحيح الصريح عن أنس (قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعِّر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال» ) [ابوداود:3451] . وقد صححه جمع من أهل العلم واعتمدوا عليه.
ومن أعظم وجوه الدلالة في الحديث هو تعليل النبي الامتناع بأنه"ظلم"فهذا دالٌ على أن تدخل الدولة في الأسعار من حيث الأصل