لم تكن المعرفة الفلكية في صدر الإسلام معرفة علمية حقيقة، كانت معرفة فطرية موروثة من العصر الجاهلي فمثلًا كانت الشمس ساعة يحدد بها الوقت ومعرفة بسيطة بالقمر، بأوجهه ومنازله والكواكب وحركاتها وأخرى غيرها.
بعد ركود فلكي طويل نسبيا، امتد من صدر الإسلام إلى بداية العصر العباسي، وبعد انفتاح المسلمين على العالم الخارجي، اندفع المسلمون نحو العلوم التي كانت سائدة في الأُمم المجاورة، قراءةً وترجمة وتفسيرًا، وتكونت لديهم ثروة علمية تفاعلت مع المادة الإسلامية الجديدة، وما ورثوه من العصر الجاهلي، ليتحول علم الفلك إلى علم إسلامي متطور حل محل العلم القديم تغذى بعقول علماء المسلمين.
وفي القرن الثالث الهجري تطور علم الفلك وظهرت أزياج فلكية عديدة (والأزياج عبارة عن جداول فلكية) وكان علماء الفلك المسلمون يجددونها باستمرار، وتحتوي الأزياج عادة على أرقام وقيم لحركات الكواكب ومواقعها. وعرفت منها أزياج شهيرة كالزيج الصابي للبتاني، وزيج ابن الشاطر وغيرها [1] .
وتطور الفلك أكثر ليظهر علماء أفذاذ كالصوفي والبتاني والبيروني والطوسي وابن الشاطر وغيرهم، وتظهر معهم نظريات وأفكار جديدة مهدت للنظرية الفلكية الحديثة. وتم اختراع بعض الأدوات الفلكية كالمزولة الشمسية و الإسطرلاب و الكرة السماوية.
ومع كل ذلك التطور لم يقفز علم الفلك الإسلامي القفزة العلمية المطلوبة، ولم يحدث ذلك إلاّ في العصر الحديث يوم أعلن كوبرنيكوس (توفي سنة 1543) [2] عن نظرية مركزية الشمس بدلا من مركزية الأرض، ويوم طور النظرية
(1) عبد الأمير المؤمن. مكانة الفلك والتنجيم في تراثنا العلمي. إصدار مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، دبي، ص 181 وما بعدها.
(2) عبد الأمير المؤمن. التراث الفلكي عند العرب والمسلمين وأثره في علم الفلك الحديث، معهد التراث العلمي، جامعة حلب سنة 1992 م ص 120 وما بعدها.