ومن أعظم هذه الآثار ما يلي:
(1) الاحتجاج بالخلاف ذريعة في محل الاختلاف: فكثير من الناس يجعل الخلاف ذريعة لتضييع الحق بقوله: هذه مسألة خلافية، وأحيانًا الاستدلال بالقواعد السابقة بغير ضابط كقاعدة (الخروج من الخلاف مستحب) ، وغيرها فيكون الخلاف حجة عند كثير من العاملين في حقل الدعوة، وخطر هذا القول يظهر في عدة أمور:
(أ) الزهد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم اتباع الدليل في محل الخلاف، مما يجعل العمل الدعوي يقوم بعيدًا عن مصدر الهداية المبارك.
(ب) تمييع الأحكام الشرعية الذي ينعكس على الفكر الإسلامي.
(ج) ضياع الحق مع هذه المقولة سواء في العبادات أو المعاملات والخطر الأكبر وصلت إلى الأصول التي لا تقبل خلافًا ولا تحتمله.
(د) البحث عن شواذ المسائل وشواردها لتبرير الأخطاء.
(2) التعصب الذي حدث في بعض المذاهب الفقهية أثر سلبًا على بعض اجتهادات العاملين في الدعوة، كل عامل يرجو من طلابه التعصب لرأيه وأن يكون قوله هو الفضل وهو الآمر الناهي، مما جعل بعض الناس يدعي العصمة لهم كما أورث التعصب الجماعي والحزبي، وجدير بالتعصب أن يكون للحق لا للاشخاص و التنظيمات؛ فلو كان كذلك لرأيت التعاون والتكاليف والتآلف بين العاملين بمختلف أحزابهم وتنظيماتهم.
قال الغزالي:"إن طالب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه ويري رفيقة معينًا لا خصمًا، ويشكره إذا عرفه الخطأ أو أظهر له الحق" [1] .
وقال الشافعي:"ما ناظرت أحدًا قط فأحببت أن يخطئ" [2] .
وقال:"ما كلمت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وما كلمت أحدًا قط إلا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه" [3] .
قال الشنقيطي:"إننا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله؛ لأن كل كلام فيه مقبول ومردود إلا كلامه صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن الحق حق ولو كان قائله حقيرًا" [4] .
(1) إحياء علوم الدين للغزالي 1/ 57.
(2) مناقب الشافعي للرازي ص 360.
(3) الفقيه والمتفقه 2/ 26.
(4) أضواء البيان.