والمراد بذلك القواعد الأصولية القواعد التي نصبها العلماء لضبط الاستدلال والاستنباط، وتسهيل الوصول إلى الأحكام الشرعية، وهذه القواعد وقع فيها خلاف بين العلماء تتيح بسببه خلاف في الفروع.
قال الأشقر:"وهذا الاختلاف من أهم أسباب الاختلاف" [1] ، ويظهر الخلاف بسبب القواعد في الآتي:
(أ) الخلاف في أصل التأليف فيها، وطريقة التأليف عند جمهور المتكلمين تختلف عن طريقة الحنفية، فالجمهور قعدوا القواعد بالنظر إلى النصوص دون النظر إلى اجتهادات العلماء، وهي المعروفة بالطريقة النظرية. أما الحنفية فقعَّدوا القواعد بالنظر إلى اجتهادات علماءهم وهي الطريقة العملية، ولا شك أن ذلك يدفع إلى الخلاف في بعض المسائل.
(ب) الخلاف في ضبط بعض القواعد: فبعض العلماء بتوسع في القاعدة بغير ضوابط، فيقع بسبب ذلك خلل في المحتوى ومخالفة للآخرين، كالخلاف في قاعدة (الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال) فليس كل احتمال يبطل الدليل بل الاحتمال الصحيح.
وكالتأويل الذي تُصرف به النصوص عن ظاهرها وليس كل تأويل، كما فعل الحنفية في الشاة والكفارة واليمين وغيرها وصرف المرأة في حديث: (( إيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ) ) [2] فقالوا المراد بها الأمة، ولما ردوا عليهم بقوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: (( ولها المهر بما استحل من فرجها ) )، أن المهر لا يكون للأمة عندهم عدلوا إلى المكاتبة.
(ج) وقد وقع الخلاف بسبب اختلاف العلماء في بعض القواعد كقاعدة (الأمر بعد الحظر) ، (أو دلالة العام على الأحكام) ، وغير ذلك.
(د) الاختلاف في حجية المصادر: كالاحتجاج بالقياس بين الجمهور والظاهرية، والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا، والاستحسان وسد الزرائع، وغير ذلك مما يؤدي إلى اختلاف في الفروع. هذه جملة من الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلاف بين الفقهاء فيما سبق [3] .
(1) أصول الفقه أبو النور زهير.
(2) أخرجه احمد ابو داود والترمذي وحسنه.
(3) انظر هذه الأسباب، رفع الملام ص 9، ما بعدها الانصاف في بيان أسباب الخلاف ص 4، وما بعدها، وفقه الاختلاف ص 33، أدب الاختلاف في الإسلام ص 10 وما بعدها.