هذا الذى يحث عليه أن الرسول أنكره ونهى عنه وسماه الشرك بالله وهذا الذى يبغضه ويبغض أهله ويأمر المشركين بقتلهم هو دين الله ورسوله.
ولو أن رجلا قال: شروط الصلاة تسعة، ثم سردها كلها، فإذا رأى رجلا يصلي عريانا بلا حاجة، أو على غير وضوء، أو لغير القبلة، لم يدر أن صلاته فاسدة، لم يكن قد عرف الشروط ولو سردها بلسانه; ولو قال: الأركان أربعة عشر، ثم سردها كلها، ثم رأى من لا يقرأ الفاتحة، ومن لا يركع، ومن لا يجلس للتشهد، ولم يفطن أن صلاته باطلة، لم يكن قد عرف الأركان ولو سردها؛ فالله الله في التفطن لهذه المسألة [1] .
وأما الجهمية وعباد القبور، فلا يستدل بمثل هذه النصوص على عدم تكفيرهم، إلا من لم يعرف حقيقة الإسلام، وما بعث الله به الرسل الكرام، لأن حقيقة ما جاؤوا به ودعوا إليه، وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص العمل له، وأن لا يشرك في واجب حقه أحد من خلقه، وأن يوصف بما وصف به نفسه، من صفات الكمال ونعوت الجلال - فمن خالف ما جاؤوا به، ونفاه وأبطله، فهو كافر ضال، وإن قال لا إله إلا الله، وزعم أنه مسلم، لأن ما قام به من الشرك، يناقض ما تكلم به من كلمة التوحيد؛ فلا ينفعه التلفظ بقول لا إله إلا الله، لأنه تكلم بما لم يعمل به، ولم يعتقد ما دل عليه [2] .
ويقول: وأما دعاء الصالحين، والاستغاثة بهم، وقصدهم في الملمات والشدائد، فهذا لا ينازع مسلم في تحريمه، والحكم بأنه من الشرك الأكبر؛ فليس في تكفيرهم، وتكفير الجهمية قولان، وقول الجهال: إنكم تكفرون المسلمين، فهذا ما عرف الإسلام، ولا التوحيد، والظاهر عدم صحة إسلام هذا القائل؛ فإن لم ينكر هذه الأمور، التي يفعلها المشركون اليوم، ولا يراها شيئا، فليس بمسلم [3] .
وإنما نكفّر من أشرك بالله في إلهيته، بعدما نبين له الحجة، على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه، دون هذه المشاهد، التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها، وسعى في إزالتها [4] .
وهذه قاعدة عظيمة
(اعلم رحمك الله: أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد، وبالحب والبغض، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر؛ فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث، كفر وارتد. مثال عمل القلب: أن يظن أن هذا الذي عليه أكثر الناس، من الاعتقاد في الأحياء والأموات حق، ويستدل بكون أكثر الناس عليه، فهو كافر مكذب للنبي، ولو لم يتكلم بلسانه، ولم يعمل إلا
(1) 23 / الدرر 10/ 111
(2) 24 / الدرر10/ 432 - ولا تصح إمامة من لم يكفر الجهمية، والقبوريين، أو يشك في تكفيرهم؛ وهذه المسألة من أوضح الواضحات عند طلبة العلم وأهل الأثر
(3) / الدرر 10/ 416
(4) / الدرر10/ 128