فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 284

وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية) إلى آخر الحديث، فقد قال شمس الدين الكرماني -رحمه الله- في (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) :"قوله لا هجرة، فإن قلت ثبت في الحديث لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار، قلت: المراد الهجرة من مكة إلى المدينة. وأما الهجرة من المواضع التي لا يتأتّى فيها أمر الدين فهي واجبة اتفاقًا".

إلى أن قال:"وقال الطيبيّ: كلمة (لكن) تقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها؛ أي أن المفارقة عن الأوطان المسماة بالهجرة المطلقة قطعًا، لكن المفارقة بسبب الجهاد باقية مدى الدهر. وكذا المفارقة بسبب نية خالصة لله -عزَّ وجلَّ-، كطلب العلم والفرار بدينه". اهـ

-وأما العنصر الثاني فهم الأنصار الذين آووا ونصروا أولئك المهاجرين وفتحوا بيوتهم لهم وآثروهم بما يستطيعون مما يملكون.

وحُقّ لهذين العنصرين الكريمين أن ينالا وسام قول الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . [سورة الحشر]

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} . [سورة الأنفال: 74]

وإن الذي جمع بين هؤلاء المهاجرين والأنصار على اختلاف أوطانهم وأجناسهم ولغاتهم وألوانهم هو الإسلام، الذي تتلاشى وتذوب فيه كل هذه المسمَّيات، وتبقى وتعلو أخوّة الدين والولاء لكل مُنتمٍ له، وبالأخص المجاهدون في سبيل الله تعالى.

قال سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} . [سورة المائدة]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت