الصفحة 9 من 91

إن التوصيف الفقهي الصحيح لما يضعه العملاء لدى البنوك من أموال؛ أنه قرض يجري عليه ما يجري على القرض من عدم جواز اشتراط الزيادة عليه، وذلك لأن هذا المال يدخل في ملكية البنك منذ إيداعه فيه، وله أن يتصرف فيه كما يشاء، وهو متعهد برد مثله لا عينه، وهو ضامن لهذا المال في حال تلفه أو ضياعه وإنْ كان ذلك بلا تفريط منه، وهذه هي طبيعة القرض كما حددها الفقه الإسلامي.

هذا إضافة إلى أن القوانين التي تحكم عمل تلك البنوك القانونية والتي يتم التحاكم إليها عند الاختلاف؛ تعتبره قرضًا أيضًا.

فقد نصت [المادة: 726] من القانون المدني المصري على أنه: (إذا كانت الوديعة مبلغًا من النقود، أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال وكان المودع عنده مأذونًا له في استعماله اعتبر العقد قرضًا) .

وعلى ذلك؛ فكل زيادة مشترطة على هذا القرض فهي من قبيل الربا المحرم، ولا يُصيِّرُها حلالًا أن تكون قد تمت بتراضي الطرفين، لأن تراضيهما لا يحيل الحرام حلالًا، وكم من معاملة حرمها الإسلام مع أنها قد تتم بتراضي الطرفين، فالزنا حرام وإن تم برضا الطرفين، والميسر حرام وإن تراضى عليه الطرفان، وربا الفضل حرام ولو تراضى عليه الطرفان.

وفي الحديث؛ أن بلالًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر بَرْني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (من أين هذا؟) ، قال بلال: كان عندنا تمر رديء، فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: (أوَّهْ، أوَّهْ، عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به) [أخرجه البخاري: 2312، ومسلم: 1594، والنسائي: 7/ 273، من حديث أبي سعيد الخدري] .

رابعًا؛ حقيقة الدراسات الدقيقة لدى البنوك:

كرر شيخ الأزهر - في معرض دفاعه عن تحديد مقدار الفائدة مقدمًا - ما قاله قبل ذلك مرارًا، من أن نسبة الفوائد التي تحددها البنوك لا تأتي اعتباطًا، وإنما تحدد بعد دراسة دقيقة لأحوال الأسواق العالمية والمحلية وللأوضاع الاقتصادية في المجتمع ولظروف كل معاملة ولنوعها ولمتوسط أرباحها.

ومع أن هذا القول قد أصبح غير ذي موضوع بعدما بيناه من أن إيداع الأموال في البنوك الربوية إنما هو من قبيل القرض الذي لا تجوز الزيادة فيه، إلا أني أرى من المناسب أن أقف قليلًًا عند هذه المقولة أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت