الصفحة 10 من 91

وذلك أن هذا التحديد الذي يراه شيخ الأزهر دقيقًا؛ ليس مبنيًا على دراسة لمشروعات استثمارية يقوم بها البنك، فالبنك لا يهتم بالاستثمار - كما أسلفنا - وإنما هو يهتم بإقراض ما أقترضه، ولا شك أنه يقوم بدراسة السوق من هذه الوجهة ومعرفة الاحتمالات الممكنة، وهو يحاول دائمًا أن يحقق لنفسه أعلى عائد ممكن، وهو يحتاط لنفسه فلا يقدم على أمر إلا بعد ضمان مكسبه فيه، ولذا فإن البنوك التجارية تميل في أوقات الرخاء إلى التوسع في الإقراض بفتح الاعتمادات التي تربو على رصيدها أضعافًا مضاعفة، بينما تميل في أوقات الركود إلى التضييق في الإقراض أو الكف عنه - كما يذكر صاحب"كتاب الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية" [ص: 315] -

ثم نقول؛ إن هذه الحسابات الدقيقة التي يتحدث عنها شيخ الأزهر لم تحل دون وقوع الخسائر في البنوك وانهيارها وضياع أموال المودعين، كما حدث في انهيار"بنك الاعتماد"وغيره.

وقد أثبت الاقتصاديون الغربيون أن هذا القبض والبسط الذي تتبعه البنوك التجارية؛ من أهم أسباب حدوث الأزمات الاقتصادية في العالم.

ومن ذلك ما قاله الاقتصادي الأمريكي"هنري سيمنز"معلقًا على الكساد الذي اجتاح العالم عام 1929: (لسنا نبالغ إذا قلنا إن أكبر عامل في الأزمة الحاضرة هو النشاط المصرفي التجاري بما يعمد إليه من إسراف خبيث أو تقتير مذموم في تهيئة وسائل التداول النقدي، ولا نشك في أن البنوك - بمعاونة الاحتكار - سوف توالينا بأزمات أشد وأقسى إذا لم تتدخل الدولة في الأمر ... ) [انظر"الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية"، لعمر بن عبد العزيز المدرك: ص 315] .

خامسًا؛ أين الورع والبعد عن الشبهات؟

كثرت في فتاوى الشيخ طنطاوي، وخصوصًا في الموضوع الذي نحن بصدده؛ عبارات التأكيد التي لا تناسب الحديث في أمر مختلف فيه - بل لا يكاد يوافقه على قوله فيه أحد من أهل العلم الذين يعتد بخلافهم - وذلك كقوله: (حلال لا شبهة فيه) ، أو قوله: (حلال، حلال، حلال) .

وإني لأسأل شيخ الأزهر؛ كيف يكون التعامل مع هذه البنوك أمرًا لا شبهة فيه، وقد خالفتَ فيه أعضاء المجامع الفقهية التي أشرنا إليها وغيرهم من أهل العلم الذين ردوا عليك وبينوا بطلان فتواك؟ أفلا تشعرك هذه المخالفة بأن في الأمر شبهة؟ إن لم نقل تشعرك بخطئك وتحملك على التفكير في التراجع عنه؟

ثم بفرض أن هذه المسألة مما يقبل الخلاف، فإنك وإن كنت ترى أن تحديد الفائدة مقدمًا أفضلُ من عدم تحديدها، إلا أن مبلغ علمنا أنك لا ترى حرمة إيداع المسلم لماله في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت