الكاتب: عبد الآخر حماد الغنيمي
في تاريخ كل أمة؛ رجال تحتفي بهم وتخلد ذكراهم على مدى الأجيال.
وفي المكانة العالية من العظماء؛ يأتي رسل الله تعالى وأنبياؤه الكرام، فهم الذين اجتباهم ربهم ليكونوا سفراء بينه وبين خلقه يدعون الناس إلى الحق ويهدونهم إلى الصراط المستقيم، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي بلغ في كل مناحي العظمة ذروة الذرى وقمة القمم التي لا يطمح أن يقاربها أحد سواه ...
يا سماء ما طاولتها سماء ... كيف ترقى رقيك الأنبياء
وإن المرء ليتحرج كثيرًا من استعمال أفعل التفضيل عند الحديث عن شخصٍ ما، كالقول بأن فلانًا أعلم الناس في عصره أو أشجع قومه أو أحكم أهل ملته، لكن الشأن مع محمد صلى الله عليه وسلم؛ يختلف اختلافًا كليًا، فالإنسان لا يجد أدنى حرج في أن يصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أفضل خلق الله في كل شيء، فهو صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وأحكم الناس وأشجع الناس وأعدل الناس ... إلخ
وليس هذا القول منا مجرد تعصب لنبينا صلى الله عليه وسلم، فنحن - وإن كنا لا ننكر أن هذا الذي قلناه إنما هو جزء من عقيدتنا وإيماننا - إلا أنه حتى لو غضضنا الطرف عن هذه الناحية العقدية، فإن أي باحث متجرد يدرس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بأمانة وإنصاف فإنه لا بد أن يصل إلى هذه النتيجة التي وصلنا إليها، ويكفي الباحث المدقق أن يدرس ما تركه صلى الله من الآثار العظيمة في البشرية جمعاء ليصل إلى ما وصلنا إليه.
فعظمة محمد صلى الله عليه وسلم في التاريخ مكانها ما يقول العقاد: (أن التاريخ كله بعد محمد صلى الله عليه وسلم متصل به، مرهون بعمله، وأن حادثًا واحدًا من أحداثه الباقية لم يكن ليقع في الدنيا كما وقع لولا ظهور محمد صلى الله عليه وسلم وظهور عمله، فلا فتوح الشرق والغرب ولا حركات أوربا في العصور الوسطى، ولا الحروب الصليبية، ولا نهضة العلوم بعد تلك الحروب، ولا كشف القارة الأمريكية، ولا مساجلة الصراع بين الأوربيين والآسيويين والإفريقيين، ولا الثورة الفرنسية وما تلاها من ثورات، ولا الحرب العظمى التي شهدناها قبل بضع وعشرين سنة - يقصد الحرب العالمية الأولى - ولا الحرب الحاضرة التي نشهدها هذه الأيام - يقصد الحرب العالمية الثانية - ولا حادثة قومية أو عالمية مما يتخلل ذلك جميعه؛ كانت واقعة في الدنيا كما وقعت لولا ذلك اليتيم الذي ولد في شبه الجزيرة العربية بعد خمسمئة وإحدى وسبعين سنة من مولد المسيح) [1] .
ومن أجل ذلك لم يكن مستغربًا بالنسبة لنا أن نجد بين الحين والآخر مِن بين الكتاب الغربيين مَن ينصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعترف له بهذا الأثر العظيم الذي تركه في التاريخ الإنساني كله.
فها هو الكاتب الأمريكي"مايكل هارت"يستعرض تاريخ البشرية في القديم والحديث، ويختار من بين عظماء العالم مئة شخصية هم في نظره أكثر الناس أثرًا على مدى التاريخ الإنساني كله، ثم يختار على رأس أولئك المئة؛ محمدًا صلى الله عليه وسلم، ويقول في ذلك: (لقد اخترت محمدًا - صلى الله عليه وسلم