-في أول هذه القائمة، ولابد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار ومعهم حق في ذلك، ولكن محمدًا عليه السلام هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الديني والدنيوي، وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات، وأصبح قائدًا سياسيًا وعسكريًا ودينيًا، وبعد ثلاثة عشر قرنًا من وفاته فإن أثر محمد - عليه السلام - لا يزال قويًا متجددًا) [2] .
ثم يقول: (وإذا استعرضنا التاريخ؛ فإننا نجد أحداثًا كثيرة من الممكن أن تقع دون أبطالها المعروفين، مثلًا كان من الممكن أن تستقل مستعمرات أمريكا الجنوبية عن أسبانيا دون أن يتزعم حركاتها الاستقلالية رجل مثل سيمون بوليفار، هذا ممكن جدًا، على أن يجيء بعد ذلك أي إنسان ويقوم بنفس العمل، ولكن من المستحيل أن يقال ذلك عن البدو، وعن العرب عمومًا، وعن إمبراطوريتهم الواسعة دون أن يكون هناك محمد - صلى الله عليه وسلم - فلم يعرف العالم كله رجلًا بهذه العظمة قبل ذلك، وما كان من الممكن أن تتحقق كل هذه الانتصارات الباهرة بغير زعامته، وهدايته، وإيمان الجميع به) [3] .
ولا شك أن ما ذكره ذلك الكاتب حول عظمة نبينا صلى الله عليه وسلم وتأثيره؛ صحيح مئة بالمئة، ولكنا لا بد أن ننبه إلى أن عقيدتنا نحن المسلمين، في رسولنا وفي غيره من أنبياء الله الكرام؛ أن عظمتهم مرتبطة بقضية النبوة والرسالة، وأن أعظم جوانب العظمة في حياتهم أنهم جاؤوا للناس بالشرائع الإلهية التي هم أحوج إليها من حاجتهم إلى الطعام والشراب، بل لا فلاح لهم في الدنيا والآخرة إلا بها.
ولذا فإنه من المحال في عقيدة المسلمين أن يكون في البشر من هو أعظم أثرًا من الأنبياء والمرسلين، وإن بدا الأمر غير ذلك لأصحاب النظرة المادية التي تقوم على أساسها الحضارة الغربية المعاصرة.
وقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: (عُرضت عليَّ الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد) [4] .
وهذا النبي الذي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد - هو بمقياس"مايكل هارت"- شخص لا تأثير له في التاريخ الإنساني، لذا لا يستحق أن يوضع عنده في قائمة الخالدين، بينما هو عندنا معاشر المسلمين؛ مقدَّم على أعظم من عرفتهم البشرية من العلماء والساسة والمفكرين وغيرهم.
ومن أجل ذلك لا يقر مسلم بحال ما فعله"مايكل هارت"من تقديمه العالم الرياضي"إسحق نيوتن"في الأهمية على المسيح عليه السلام، ولا تأخيره موسى عليه السلام إلى المرتبة السادسة عشرة في قائمة العظماء، بعد"أينشتين"و"ماركس"و"لينين"وغيرهم.
أما هذا الكاتب الأمريكي ابن الحضارة الغربية المعاصرة؛ فلكونه يركز فقط على الأثر المادي الملموس في حياة الناس، فإنه لا يجد غضاضة في أن يفعل ذلك، وهو يبرر تأخيره للمسيح عليه السلام إلى المرتبة الثالثة - بعد محمد صلى الله عليه وسلم و"إسحاق نيوتن"-؛ بأن المسيح عليه السلام لم ينفرد بتأسيس الديانة المسيحية، وإنما شاركه في ذلك"القديس بولس"الذي جاء بعده، وهو الذي وضع مبادئ اللاهوت بما فيها عبادة المسيح عليه السلام، وعلى يديه تحولت المسيحية - كما يقول"مايكل هارت"- من فئة يهودية صغيرة إلى ديانة كبيرة [5] .
ونحن نوافق بكل تأكيد؛ على أن النصرانية التي عرفتها أوربا ومن بعدها أمريكا ليست هي الديانة التي جاء بها المسيح عليه السلام، وأن اليهودي"شاؤول"الذي تنصر وسمي"بولس الرسول"هو المسؤول عن أهم ما يدين به النصارى اليوم، وأن يد التحريف لم تتوقف عن إفساد ديانة المسيح منذ عهد"بولس"