الصفحة 75 من 91

هذا وحتى اليوم، لكننا نرى أن هذا الأثر الذي تركه"بولس"لما كان مخالفًا لدين الأنبياء؛ فإنه لا قيمة له ولا عبرة به.

وإذن فنقطة خلافٍ جوهريةٍ أخرى مع ذلك الكاتب؛ تكمن في أن مقياس العظمة عنده هو ما تركه الشخص من أثر في تاريخ البشرية دون نظر لطبيعة ذلك الأثر، من حيث كونه أثرًا حسنًا أو قبيحًا.

وهو يعترف بذلك في مواضع من كتابه، فإنه يقول عن"هتلر"مثلًا: (يجب أن أعترف أني مع القرف الشديد قد وضعت اسم"أدولف هتلر"ضمن هذه القائمة ... وليس عندي أدنى رغبة في أن أكرم رجلًا ترجع أهميته إلى أنه تسبب في قتل خمسة وثلاثين مليونًا من البشر، ولكن لا بد من أن أقول إن"هتلر"كان له أثر عظيم على عدد كير من الناس) [6] .

ويقول عن المكتشف الإيطالي"كريستوفر كولمبوس": (ولو كنا نرتب هؤلاء العظماء حسب سلوكهم الأخلاقي لجاء مكانه قرب النهاية، ولكنا نتحدث عن أبعد الناس أثرًا في التاريخ الإنساني، ولذلك فمكانه ولا شك عند القمة) [7] .

هذا منهجه وتلك نظرته.

أما نحن المسلمين؛ فإن أعظم الناس عندنا هم الذين جاؤوا للناس بالهدى ودين الحق، وهم فيما بينهم يتفاوتون بحسب ما اقتضته حكمة العليم الخبير، كما قال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات} [البقرة: 253] .

ونبينا صلى الله عليه وسلم؛ هو بين إخوانه من النبيين واسطة عقدهم، وهو اللبنة التي اكتمل بها صرحهم.

كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين) [8] .

ودون انتقاص من قدر أيٍ من هؤلاء المرسلين، فإنه لا بد من التسليم بأن نبينا صلى الله عليه وسلم هو أعظمهم قدرًا وأعلاهم شأنًا، وقد شاركهم فيما اختصوا به من الفضل.

-فهو قد شارك إبراهيم عليه السلام في مقام الخلة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله) [9] .

-كما شارك صلى الله عليه وسلم أخاه موسى في مقام الكلام، كما هو معلوم من حديث الإسراء والمعراج، وهكذا الحال في غير إبراهيم وموسى عليهما السلام.

ومع مشاركته صلى الله عليه وسلم لهم في ما اختصوا به، فقد اختص صلى الله عليه وسلم بما لم يختص به غيره.

كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت