ومن هنا شدد أهل العلم النكير على من اعتد بمصلحة ملغاة بحكم النص الشرعي، وقد ذكر الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه"أصول الفقه" [ص: 241] عند حديثه عن القياس أن من شروط العلة: (ألا يكون الوصف قد قام الدليل على عدم اعتباره، وذلك إذا كان مخالفًا لنص ديني، فإن المخالفة تجعل الوصف غير صالح لأن يتعدى) ، ثم ضرب مثالًا لذلك بالمصلحة التي رآها القاضي الأندلسي الذي أفتى الخليفة لما جامع في نهار رمضان بأن كفارته صيام ستين يومًا لا عتق رقبة، مخالفًا بذلك الحديث الصحيح في البدء بعتق رقبة قبل الصيام، (لأن تلك المصلحة ملغاة بحكم النص، وهكذا كل مصلحة تخالف النصوص المقطوع بدلالتها تكون غير صالحة لأن تكون علة لإثبات حكم، فأولئك الذين يعتبرون المصالح التي استحدثتها أهواؤهم عللًا شرعية تهمل لأجلها النصوص قوم سدى لا يلتفت إليهم) .
فالواجب إذن أن تقدر المصلحة بمقياس الشرع، فليس كل ما رآه الناس مصلحة هو كذلك، فإن كثيرًا؛"مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التصوف وأهل الرأي وأهل الملك حسبوه منفعة أو مصلحةً نافعًا وحقًا وصوابًا، ولم يكن كلك، بل كثير من الخارجين عن الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس يحسب كثير منهم أن ما هم عليه من الاعتقادات والمعاملات والعبادات مصلحة لهم في الدين والدنيا ومنفعة لهم فقد؛ {ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا} ..." [مجموع الفتاوى: 11/ 345] .
خامسًا:
إن النظر في المصلحة عند تطبيق النصوص إنما يكون في الجزئيات دون الكليات، بمعنى أنه قد يصح للحاكم من باب السياسة الشرعية أن يؤخر إقامة الحد في وقت ما لوجود مصلحة شرعية في ذلك الوقت، أما أن يعطل الشريعة كلها بدعوى المصلحة؛ فلا ... وألف لا.
وقد أورد الإمام ابن القيم رحمه الله في"إعلام الموقعين" [3/ 8 وما بعدها] ما جاء من النهي عن قطع الأيدي في الغزو، قال: (فهذا حد من