حدود الله تعالى وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عله ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبًا)، ثم قال بعد أن ذكر أمثلة على ذلك: (وليس في هذا ما يخالف نصًا ولا قياسًا، ولا قاعدةً من قواعد الشرع ولا إجماعًا ... وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة، إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض، فهذا تأخير لمصلحة المحدود، فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى) .
فنحن نلاحظ هنا أن الأمر كله متعلق بوقائع معينة وقضايا جزئية، تقتضي المصلحة فيها تأخير إقامة الحكم الشرعي، أما أن تنحى الشريعة كلها - كما هو حادث الآن - بزعم أن المصلحة تقتضي ذلك، فهذا هو الفساد بعينه ولا يمكن أن تكون مصلحة العباد في التخلي عن شريعة رب العباد؛ فإن"هناك استحالة اعتقادية في أن يحرم الله أمرًا لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه، كما أن هناك استحالة اعتقادية كذلك في أن يكون هناك أمر خبيث ويكون في الوقت ذاته حتميًا لقيام الحياة وتقدمها" [في ظلال القرآن: 1/ 322] .
سادسًا:
إن ما أشرنا إليه من النظر في المصلحة عند تطبيق النص هو أمر متعلق بالجانب العملي لا الجانب التشريعي، إذ ليس لأحد أن يشرع من دون الله، ولذلك فإن من أعجب الاستدلال ما استدل به أحد الإخوة في الحوار المشار إليه؛ من أن عمر قد أسقط حد السرقة في عام الرمادة، وأنه قياسًا عليه؛"فإنه ليس معقولًا أن أطالب في هذا العصر بتطبيق حد الزنا في ظل أزمة الزواج؟! فالشباب الذي يزني الآن في هذا الزمن لا يستوي مع الشباب الذين كانوا يزنون في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أو في عهد الصحابة".
وذلك أن عمر رضي الله عنه حين أسقط القطع عن السارق في عام المجاعة، لم يشرع عقوبة جديدة للسارق، وإنما رأى أن هناك شبهات تدرأ الحد؛"فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة"