وما دمنا قد وصلنا إلى هذه النقطة، فلابد أن نقف وقفة يسيرة مع هذه الأعذار، التي ضُربت أمثلةً على ما يمكن أن يراه الحاكم مصلحة تحمله على ترك الحكم بما أنزل الله، وذلك أن هذه الأعذار لا قيمة لها في ميزان الشرع الحنيف، وليس في مراعاتها مصلحة للأمة، إلا إذا كان المقصود مصلحة المحافظة على النظام العلماني المخالف أصلًا لشرع الله، فليس وجود طوائف من غير المسلمين في المجتمع يصح أن يكون مانعًا من إقامة شرع الله، وإلا فلمن جاءت أحكام غير المسلمين في المجتمع المسلم؟
وفي أي شرع وتحت أي مصلحة يسمح للأقلية أن تفرض رأيها على الأغلبية وتمنعها من الاحتكام إلى شريعتها والعمل بمقتضاها؟
كما أن وجود عدو خارجي لا يصح أن يكون مانعًا أيضًا، بل على العكس من ذلك فإن وجود العدو الخارجي يجب أن يكون حافزًا لهؤلاء الحكام - إن كانوا حقًا مسلمين - أن يعودوا إلى ربهم ويستمطروا نصره بتطبيق أحكام شريعته.
أما أعجب هذه التبريرات؛ فهو وجود بعض منظمات حقوق الإنسان التي تعارض تطبيق أحكام الشريعة، وكأن أخانا لا يعلم أن منظمات حقوق الإنسان قد أصدرت آلاف التقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، ومع ذلك لم يعبأ بها النظام في مصر، فلماذا يحسب حسابها فقط عندما يتعلق الأمر بقضية شرع الله؟!
رابعًا:
نحن - كما أسلفنا - لا نهمل قضية النظر في المصالح عند تطبيق النصوص الشرعية، ولكن هذا النظر لا بد أن يكون نظرًا شرعيًا قائمًا على الأدلة الشرعية، لا على مجرد التشهي والهوى.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في مجموع"الفتاوى" [28/ 129] : (لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر) .