ومع شذوذ هذا الرأي؛ إلا أنه لا يعني عدم تجريم الردة، وإنما غاية ما فيه أنه لا يرى عقوبة القتل حتمًا لازمًا، لأن قوله:"يستتاب أبدًا"، معناه أنه قد ارتكب جرمًا، وهل يستتاب إلا من ذنب؟
أما هؤلاء القوم؛ فيرون أن الردة لا تمثل جريمة أصلًا، وأنه لا يصح أن يعاقب عليها بأي نوع من العقوبة، {كبرت كلمة تخرج من أفواههم عن يقولون إلا كذبًا} .
-ثانيًا:
يذكر أصحاب البيان المشار إليه؛ أنهم يستندون في قولهم هذا إلى ما زعموه من أن فريقًا من أهل العلم يرون أن المنع من الردة كان قد شرع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأسباب خاصة، وليس حكمًا عامًا مستمرًا إلى يوم الدين.
وهم في افترائهم هذا؛ لم يقولوا لنا من هم العلماء المسلمون الذين قالوا بهذا القول الباطل، فهلا ذكروا لنا عالمًا يعتد بعلمه قال بهذا القول؟! إن الذي نعلمه أن العلماء في القديم والحديث متفقون على هذا الذي ذكرناه، وهذه المجامع الفقهية والهيئات العلمية المعتد بها في العالم الإسلامي مجمعة بحمد الله على تجريم الارتداد عن دين الإسلام، حتى العلماء الرسميون - الذين يصنفهم البعض على أنهم علماء السلطة - لا يخالفون في ذلك.
وقد كنت أراجع قريبًا بعض ملفات قضية مقتل فرج فودة، فوجدت من ضمنها تقريرًا لشيخ الأزهر الحالي - وقد كان وقتها مفتيًا - وردًا من لجنة الفتوى بالأزهر على شهادة الشيخ الغزالي رحمه الله في تلك القضية، وما وجدت فيهما أي مخالفة في تجريم الردة وأن عقوبتها القتل، وإن كان فيهما أنه ليس لأحد أن يقيم حد الردة إلا الحاكم، وهذا لا ينطبق على الحالة التي نحن بصددها الآن.
إن الذي أظنه - والله أعلم - أن القوم قد استندوا في زعمهم هذا إلى بعض الكتابات المعاصرة التي يتولى كبرها طائفة من العصرانيين الذين يزعمون التجديد في الدين، وهم أبعد شيء عن فهم هذا الدين ومعرفة أصوله، بل إن غالبيتهم ليسوا من المتخصصين في العلوم الشرعية، وإنما ساعدهم في بث سمومهم تلك الفوضى التي يعيشها المسلمون، والتي جعلت الدين - كما كان يقول الدكتور عبد المنعم النمر رحمه الله - هو"الحيطة الواطية"التي لا يشاء أحد أن يتسلقها إلا فعل.
وما أشبه الفكرة التي اعتمد عليها أصحاب البيان المشار إليه؛ بفكرة وقتية الحكام التي يروج لها أناس كسعيد العشماوي، الذي يدعو إلى محاولة قصر تطبيق الأحكام الشرعية على مثل الجو الذي شرعت فيه، ويقدح في قاعدة"أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص"