ثم إنني أود أن أشير في عجالة - ودون دخول في كثير من التفاصيل - إلى ما تضمنه البيان المذكور من مغالطات شرعية، لا يمكن قبولها ولا السكوت عنها.
فأقول وبالله التوفيق:
-أولًا:
إن تجريم الارتداد عن الدين الحنيف حكم؛ ثابت بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} .
وإن عقوبة هذه الجريمة في الإسلام معروفة، بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (من بدل دينه فاقتلوه) [1] .
وعن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس) [2] .
وأهل العلم مجمعون على عظم أمر الردة، وعلى أنه لا يعدلها ذنب من الذنوب.
قال ابن عبد البر - عند الكلام على حديث؛"من بدل دينه فاقتلوه": (وفقه الحديث؛ أن من ارتد عن دينه حل دمه وضربت عنقه، والأمة مجتمعة على ذلك، وإنما اختلفوا في استتابته؛ فطائفة منهم قالت لا يستتاب على ظاهر الحديث ويقتل، وطائفة منهم قالت يستتاب) [3] .
ولا يعرف لهذا الحكم مخالف، إلا أن هناك قولًا لإبراهيم النخعي رحمه الله يرى أن المرتد يستتاب أبدًا، وهو قول مردود لمصادمته الحديث الصحيح.
قال ابن قدامة في تعليقه على قول النخعي: (وهذا يفضي إلى أن لا يقتل أبدًا، وهو مخالف للسنة والإجماع) [4] .
(1) أخرجه البخاري: 3017، 6922، وأبو داود: 4351، والترمذي: 1458، والنسائي: 7/ 104، وابن ماجه: 2535، من حديث ابن عباس.
(2) أخرجه أبو داود: 4502، والترمذي: 2158، والنسائي: 7/ 90، وابن ماجه: 2533، وإسناده صحيح.
(3) التمهيد: 5/ 306.
(4) المغني مع الشرح الكبير: 10/ 75.