الصفحة 26 من 91

عليه وسلم قال: (حب الوطن من الإيمان) ، وهو حديث موضوع كما ذكر الشيخ الألباني رحمه الله [1] .

وأعجب من ذلك أن تسري لوثة تلك الوثنية إلى كثير من المنتسبين للعلم الشرعي في بعض بلاد الإسلام، حتى نرى بعضهم يساير القوم في باطلهم معتزًا بتاريخ يبرأ منه الإسلام وأهله، ويبالغون في ذلك فربما أتوا - كما تقول العرب - بما يضحك الثكلى ويبكي العروس.

واحدة من تلك المضحكات المبكيات تتمثل في ما قاله أستاذ للعقيدة في جامعة الأزهر، أعير لإحدى الجامعات السعودية زمنًا، فقام بتحقيق كتاب شرح العقيدة الطحاوية، حيث قال عند ترجمته للإمام الطحاوي رحمه الله: (وبين لداته وأترابه في قرية"طحا"أبناء الشعب الطيب المسالم، الذي اهتدى إلى توحيد الخالق وعبادة الواحد الأحد قبل أن تنزل الديانات السماوية الكبرى إلى الأرض كان الطحاوي منفردًا بينهم بقوة حافظته وسرعة بديهته ... ) [2] .

وهذا كلام يحوي طامات وظلمات بعضها فوق بعض، ويكفي أن نشير هنا إلى أنه يقصد بالاهتداء إلى توحيد الخالق تلك الخرافة التي يروج لها البعض، والتي تزعم أن الملك أخناتون كان داعية للتوحيد في مصر القديمة، وأنه دعا الناس إلى عبادة الله وحده، بينما الحقيقة التي تشير إليها دراسة آثار هذا الملك أنه لم يكن إلا داعية من دعاة الكفر والوثنية، وكل ما فعله هو أنه وحد الآلهة التي كان يعبدها المصريون فحملهم على عبادة إله واحد، هو قرص الشمس المشعة"آتون"، ويكفي أن نعلم أنه غير اسمه من أمينوفيس الرابع، أو امنحوتب الرابع إلى"أخناتون"الذي معناه"عبد قرص الشمس" [3] ، فهل هذا من توحيد الخالق وعبادة الواحد الأحد في شيء؟

وإن من نافلة القول أن نُذكِّر بأننا لا نقصد من هذا تحريم ما جبل عليه الإنسان من حبه الفطري لوطنه، وشوقه إلى دياره وملاعب صباه، وإنما ينصب حديثنا على جعل الوطن معقد الولاء والبراء، وتقديم حبه على حب الله ورسوله، وأن الواجب على المسلم أن لا يتردد في تقديم حبه لدينه على كل حب سواه، قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله

(1) سلسلة الضعيفة: (36) .

(2) شرح الطحاوية بتحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة: (1/ 40)

(3) يراجع كتاب: سندباد مصري للدكتور حسين فوزي ص: 262.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت