الصفحة 25 من 91

من الدروس المهمة التي يثيرها حدث الهجرة الشريفة قضية الولاء للإسلام وتقديمه على كل ولاء، ففي سبيل الله ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أرضًا نشؤوا عليها وعاشوا في كنفها ردحًا طويلًا من الزمن، وساروا إلى أرض أخرى لم يألفوها من قبل، فوُعِك بعضهم وأصابتهم الحمى، وكانوا يحنون إلى مكة ويشتاقون إلى العودة إليها، فعند ذاك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، وصححها لنا وانقل حُمَّاها إلى الجحفة ... ) [1] .

ثم جعل صلى الله عليه وسلم من تمام الهجرة ألا يعود المهاجرون للعيش في مكة بعد أن فتحها المسلمون وصارت دار إسلام، بل كان صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يمضي لأصحابه المهاجرين هجرتهم ويتأسف على من مات منهم بمكة؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خوْلة، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توفي بمكة) [2] .

هذا مع أنه القائل مخاطبًا مكة: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إليَّ، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت) [3] .

فأين من هذا تلك الوثنية الجديدة التي تفشت في ديار الإسلام اليوم، والتي تقدس الأوطان وتجعلها معقد الولاء والبراء؛ بحيث صار الإنسان المسلم مطالبًا في ظل هذه الوثنية الجديدة بأن يؤخر رابطة الأخوة الإسلامية فيجعلها في مرتبة ثانية أو ثالثة، أو ربما يهملها بالكلية إذا تعارضت مع رابطة الوطنية المزعومة، وعليه أن يتغنى معهم بأمجاد هذا الوطن وتاريخه بكل ما يحويه هذا التاريخ من كفر وإيمان.

ثم إن الطغاة المستبدين من الحكام يستغلون هذا الشعور الوطني لصالحهم، فكلما انتقد إنسان حاكمًا قالوا إنه ينتقد وطنه، وإنه ليس عنده انتماء حقيقي له، فرجع الأمر إلى تقديس الحاكم الفرد تحت دعوى حب الوطن والانتماء له.

والعجيب أن الكثيرين من دعاة هذه الوثنية الجديدة يريدون أن يروجوا لباطلهم بالتمسح في بعض ما يزعمونه من الأحاديث التي لم تصح، كزعمهم أن الرسول صلى الله

(1) أخرجه البخاري (1889) ومسلم (1376) وابن حبان (3742) من حديث عائشة.

(2) أخرجه البخاري (3936) ومسلم (1628) وأبو داود (2864) والترمذي (2116) من حديث سعد بن أبي وقاص.

(3) أخرجه أحمد (4/ 305) والترمذي (3921) وابن ماجه (3108) من حديث عبد الله ابن عدي بن الحمراء، وقال الترمذي حسن صحيح، وصححه ابن حبان (1035) والحاكم (3/ 8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت