الصفحة 24 من 91

لقد كانت الهجرة علامة فارقة بين عهدين: أولهما عهد استضعاف المؤمنين وتسلط الكافرين عليهم، وثانيهما عهد العزة والتمكين، ولعل هذا من المعاني التي لحظها المسلمون الأولون حين اتخذوا الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامي في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه؛ فحيث كانت الهجرة بداية للعز والتمكين ناسب أن تكون بداية للتاريخ.

وقد ذكر السهيلي فيما نقله عنه ابن حجر أن الصحابة قد استفادوا ذلك من قوله تعالى عن مسجد قباء الذي بناه النبي صلى الله عليه وسلم عند مقدمه المدينة: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم} [التوبة: 108] ، فقد وصفت الآية اليوم الذي أسس فيه مسجد قباء بأنه أول يوم، قال: (ومعلوم أنه ليس أول الأيام مطلقًا، فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر، وهو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام، وعبد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ربه آمنا، وابتدأ بناء المسجد فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم، وفهمنا من فعلهم أن قوله تعالى: {من أول يوم} أنه أول أيام التاريخ الإسلامي) [1] .

وإضافة إلى ما سبق فقد نقل الحافظ أيضًا عن بعض أهل العلم أن القضايا التي اتفقت له صلى الله عليه وسلم وكان يمكن التأريخ بها هي؛ مولده ومبعثه وهجرته ووفاته صلى الله عليه وسلم"فرجح عندهم جعلها من الهجرة؛ لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما توقع بذكره من الأسف عليه، فانحصر في الهجرة" [2] .

فيا لخيبة ذلك العقيد الليبي الذي أراد أن يعمل بقاعدة؛"خالف تعرف"، فلم يجد إلا عام وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليؤرخ به، وكأنما أراد أن يقول إنه إن كان تاريخ دولة الإسلام قد بدأ بالهجرة، فإن تاريخ جماهيريتي"العظمى"مرتبط بوفاة نبي الإسلام وما اقترن بها من حزن المسلمين، وظهور حركات الردة التي توهم أهلها أنهم قادرون بعد وفاته صلى الله عليه وسلم على أن يقضوا على الإسلام ودولته، فباؤوا بالخيبة والخسران.

ثالثًا؛ العقيدة قبل الأهل والوطن:

(1) فتح الباري: (7/ 268) .

(2) المصدر السابق: نفس الموضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت