الصفحة 19 من 91

يكفي أن يغلب على ظن المجاهدين أنهم يتمكنون من إحداث نكاية في العدو، أو أنه ينتج من جهادهم تقوية قلوب المؤمنين أو بث الرعب في قلوب الكافرين، وإشعارهم بجرأة أهل الإيمان.

ومن أدلة ذلك ما جاء في قصة عاصم بن ثابت لما (بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس نفر من أصحابه إلى عضل والقارة، فخرج عليهم قرابة مائة رام، فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ... ، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل ... ) [1] .

فلا شك أن قدرة عاصم ومن معه لم تكن تبلغ أن يقاتلوا مئة رام، وقد كان لهم مندوحة في ترك القتال، ومع ذلك أبى عاصم رضي الله عنه إلا أن يقاتلهم فقاتلهم حتى قتل.

قال القرطبي في تفسيره: (قال محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه وإن كان قصده إرهاب العدو ليعلم صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت النفس لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم"... إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [2] .

وأهل العلم يفرقون بين جهاد الطلب الذي يشترطون القدرة في وجوبه - لا في صحته - وبين دفع عدوان الكافرين الذي لا يشترط له ذلك.

قال شيخ الإسلام: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء: أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده) [3] .

(1) أخرجه البخاري 3045، وأبو داود 2660 وأحمد 2/ 294 من حديث أبي هريرة.

(2) الجامع لأحكام القرآن 2/ 364.

(3) الاختيارات الفقهية ص: 309 - 310.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت