إذا تقرر لدينا أن تحقيق المصالح ودفع المفاسد هو المقصد العام للشريعة، وأن ذلك لا يكمل إلا بالمداومة عليه وترسيخه، فإن النصوص الشرعية تنخرط في هذا الصدد، حيث تنص على ضرورة استدامة المصالح، ويتجلى هذا في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، منطوقًا ومفهومًا، صراحة أو كناية، مباشرة أو بطريقة غير مباشرة.
لقد تطرقت النصوص إلى مقصد الاستدامة، ودعمته السنة العملية بفعل المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتلاه في ذلك صحابته، وتابعوهم إلى يوم الدين؛ وليس معنى هذا أن مقصد الاستدامة ذكر بلفظه في هذه المواطن، وإنما نتلمسه من خلال سياق النص وملابساته، فأحيانًا تكون الدلالة بالمفهوم أبلغ من المنطوق، وبالتلميح أولى من التصريح؛ حيث نصت بعض النصوص مباشرة على طلب المداومة على مصلحة أو دفع مفسدة، بينما نجد هذا كامنًا في طيات نصوص أخرى بصفة غير مباشرة، وهنا يظهر دور الفقيه والأصولي والمقاصدي؛ الذين يستنبطون هذه المعاني لينزلوها على أرض الواقع تحقيقًا للمناط.
وسأسرد بعض النماذج الدالة على أهمية مقصد الاستدامة عمومًا، ويدخل في ذلك المجال التربوي والتعليمي بالتبع. وليس معنى هذا استقصاء الأدلة وحصرها، بل سأكتفي بما يبين المقصود، وينوب عن غيره من الأمثلة.
أولا: الآيات القرآنية.
قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) } [1] ، لقد أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يعبده على الدوام حتى يأتيه الموت،"حيث جاءت الشريعة مؤكدة على أن يكون المؤمن مستديم العمل، وأن يكون مبادرًا إلى الخير في كل لحظات عمره" [2] .
(1) سورة الحجر، الآية:99.
(2) شرح حديث أحب الأعمال أدومها وإن قل، لخالد الشايع، خطبة منشورة بموقع الالوكة، بتاريخ 19/ 10/2017 ميلادي - 28/ 1/1439 هجري، https://www.alukah.net/sharia/0/121763/