ومن حكمة الباري أن جعل النعيم والعذاب دائمين في الآخرة، كما حكى سبحانه وتعالى عن الجنة بقوله: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) } [1] .
وقد تكرر في الآيات قوله تعالى: خالدين فيها، أو هم فيها خالدون، أو تم تأكيد ذلك بالتأبيد كما في قوله تعالى: خالدين فيها أبدا، ومن ذلك قوله عز من قائل: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) } [2] ، والمعنى مدة دوامهما، وهو عبارة عن التأبيد، ونفي الانقطاع على عادة العرب، وذلك أنهم إذا وصفوا شيئا بالأبد والخلود، قالوا ما دامت السموات والأرض [3] ، حيث أخبر الله سبحانه ببقاء نعيم أهل الجنة ودوامه، وأنه لا نفاد له ولا انقطاع، وأنه غير مجذوذ [4] .
فمن استدام الصلاح والنية الصادقة، فيرجى له دوام الفلاح في الآخرة؛ ومن أصر على الكفر والعصيان واستدامهما، فهو متوعد بتأبيد العذاب، ولهذا أكدت النصوص الشرعية على ضرورة استدامة الإسلام وعدم الردة عنه، كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [5] . فالشريعة ترمي إلى استدامة الهداية، إذ بخلافها يهلك المرء في الدنيا والآخرة، قال الزمخشري:"ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم على ردّه إليه فَيَمُتْ على الردّة فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي"
(1) سورة الرعد، الآية:35.
(2) سورة هود، الآيات: 105 - 108.
(3) روح البيان، لإسماعيل حقي، 4/ 188.
(4) تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا، 8/ 70.
(5) سورة البقرة، جزء من الآية:217.