الصفحة 8 من 33

وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [1] ، وكذلك ما سخره سبحانه للحيوان والنبات من وسائل الغذاء والبقاء؛ فنجد أن الكائنات الحية يتغذى بعضها من بعض، مما يضمن بقاءها في إطار سلسلة غذائية متوازنة، بالإضافة إلى خاصية التوالد التي تضمن استمرار المخلوقات الحية بإذن الله جل وعلا. وحتى الجمادات لا تخرج عن هذه القاعدة، فالجبال أوتاد مستقرة مستتبة أرساها، والبحار في توازن سواها، فما يتبخر منها يعود إليها في دورة عجيبة، وحتى عندما يصنع الإنسان هذه الجمادات، فإن المرغوب فيه منها هو الذي يدوم أكثر.

والخلاصة أن الشريعة جاءت لجلب المصالح ودفع المفاسد، وكلاهما يعودان لجلب المصالح؛ لأن دفع المفسدة مصلحة كما قال العز بن عبد السلام:"والشريعة كلها مصالح من رب الأرباب لعباده إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح، التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم" [2] ، فذلك هو الغرض الأسمى والمقصد الأعظم، والذي لا يتحقق بحق إلا إذا كان مستدامًا، فهو مطلب دائم مدى الحياة وفي المجالات كلها؛ لأن أمور الدين والدنيا لا تستقيم إلا إذا استجلبت المصالح على الدوام،"فالمقصد العام من الشريعة هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح الإنسان، وهو المقصد الذي يُعبَّر عنه عادة بجلب المصالح ودرء المفاسد" [3] .

(1) سورة هود، جزء من الآية:61.

(2) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام، 1/ 11 و 2/ 73 و 2/ 198.

(3) طرق الكشف عن مقاصد الشارع، لنعمان جغيم، ص: 278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت