الصفحة 7 من 33

الحفظ الدائم، وهذا كمصلحة نظام العالم باحترام بقاء النفوس في كل حال، مع الأمر بالصبر على ما يلوح من شدّة الأضرار الراجعة لحياة بعض الأحياء" [1] ."

وأما مقصد حفظ العرض، فهو بعبارة أخرى الحفاظ على الأنساب واستدامة استقلاليتها، ولزوم العفة واستدامة صفائها.

ومن ثم، فإن الاستدامة مقصد كلي، متشابك مع مقاصد أخرى، متداخل مع مجالات عدة؛ وما يظهر من مخالفته لهذا الأصل، فينبغي تأويله بشكل عكسي، بحيث يصير المطلوب هو الترك، أي استدامة التوبة والبعد عن المفاسد، قال العز بن عبد السلام:"وربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح، لا لكونها مفاسد؛ بل لكونها مؤدية إلى مصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظًا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد بل لكونها المقصودة من شرعها كقطع السارق وقطع الطريق وقتل الجناة ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم: وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقة، وتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبب" [2] ، فالظاهر من هذه التصرفات أنها إتلافات تفوت الاستدامة، لكن الواقع أنها تحققها بجهة عكسية، حين تمكن من إدامة مصالح أخرى، وعسانا نقول إن الاستدامة الجزئية تدفع لتحصيل الاستدامة الكلية، أو أن الاستدامة المرجوحة ترفع لإرساء الاستدامة الراجحة، وهكذا.

ومن حكمة الباري أن سخر للكائنات سبلًا تخول لها استقرار الاستدامة فيما تحتاج إليه، ولاتستقيم الحياة بدونه؛ ومن ذلك تسخير ما في الأرض لبقاء الإنسان واستمراره، مصداقًا لقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) } [3] ، وقوله سبحانه: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ

(1) مقاصد الشريعة الإسلامية، لابن عاشور، 2/ 480.

(2) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام، 1/ 14.

(3) سورة الجاثية، الآية:13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت