الصفحة 5 من 33

الدائم بعد فناء المخلوقات كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) } [1] ، وأما ما يدوم من المخلوقات الأخرى فإنما ذلك بإبقاء الله لها.

فالاستدامة مقصد شرعي، ومطلب إنساني، حيث رمى الدين الإسلامي إلى المداومة على المصالح والبعد عن المفاسد؛ ولأجل ذلك عُلقت النجاة في الحياة الدنيا والفوز في الآخرة، على حسن الخاتمة؛ يعني على تحري الصلاح والاستقامة مدى الحياة، والعمل على استدامتهما؛ وقد امتدحت النصوص الشرعية استدامة الصلاح والتوبة في مواطن كثيرة، ودعت إلى ذلك على سبيل التنظير والتنزيل. وليس ذلك على مستوى الدين الإسلامي فحسب، بل إن الانسان عمومًا ينشد الاستدامة والحفاظ على المكتسبات؛ لأنه مجبول على ذلك، وفطره الله عليه؛ ومن شذ عن الأصل، وخالفه، فإنه يعاب عليه، ويجلب لنفسه المضرة.

وعليه، فإن الإنسان يسعى إلى تحقيق النجاح، وفي الوقت نفسه يعمل على الحفاظ عليه، سواء في المجال نفسه أو في المجالات الأخرى، فالمهم عنده هو المداومة على جنس النجاح؛ وما من مجال من مجالات جلب المصالح ودفع المفاسد إلا وهو مرغوب، وهدف منشود، لا ينفك عن مرام المداومة والاستمرارية، وعن التخطيط لتحقيقها، والتكوين لأجل ذلك؛ بل حتى الحيوانات والنباتات تسعى إلى البقاء والاستمرارية، وتبذل مافي وسعها لأجل ذلك.

بعبارة أخرى، فإن الاستدامة مقصد كوني عام:

ففي المجال السياسي، تعمل الجهات المعنية على استدامة الأمن واستقرار الحكم، قال عبد الله الجربوع:"لا شك أن إقامة المجتمع على شريعة الإسلام وأسس التقوى هي الخطوة الأولى في بناء الدولة الإسلامية، وهي خطوة هامة لسلامتها والمحافظة عليها، إلا أن الأهم من ذلك هو استدامته والاستقامة عليه، وذلك يتجلى في واجب حراسة الدين والدفاع عنه" [2] .

(1) سورة الرحمن، الآيتان:26 - 27.

(2) أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة، لعبد الله الجربوع، 2/ 650.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت