وعندما التحق بإحدى الوحدات العسكرية المساعدة المشكلة بسبب الحرب فقد عين برتبة ملازم أول بصورة مؤقتة لكونه بعرف القراءة والكتابة، وان الصورة الوحيدة الباقية لزوج زبيدة ووالد مصطفى كمال علي رضا أفندي هي صورته المأخوذة له وهو في البزة العسكرية برتبة ملازم أول في الطابور العسكري المساعد"."
ويظهر أن شوكت ثريا مقتنع تمام الاقتناع بان صاحب هذه الصورة هو والد مصطفى كمال، لذلك نراه يحاول التفتيش عن الملامح المشتركة بينهما، فيقول:"في هذه الصورة يظهر علي رضا أفندي وعلى رأسه الطربوش الواسع والواطئ المسمى بالعزيزية وبسترته الطويلة ذات الصف الواحد من الأزرار والياقة والكتافية المذهبتان وبحزامه العسكري وهو في وضع الاستعداد العسكري أما بنطلونه فهو بحسب البزة السائدة آنذاك بشكل سروال يمسك بيده اليسرى غمد سيفه، أما يده اليمنى فهي شاهرة بالسيف في وضع التحية، وهو في وقفته وحاله يظهر كموظف طيب ومؤدب وليس كمحارب أما خطوط وجهه، وخاصة عينيه، فقد نقلها إلى ابنه مصطفى بشبه تدعو إلى الدهشة". [1]
ولقد أدرج شوكت ثريا شجرة النسب لكمال أتاتورك، وفي هذه الشجرة يتسلسل جميع من أتوا من نسل زبيدة هانم وعلي رضا أفندي إلى أسفل مكونا جمعا ضخما، أما إلى فوق أي ممن جاءا فلم يستطع أن يظهر إلا بطنا واحدا فقط ثم تنقطع السلسلة.
وفاة علي رضا أفندي:
تزوج علي أفندي من زبيدة عندما كان يعمل حارسا في الجمرك، ثم تقلب في عدة وظائف حتى انه عمل لفترة في تجارة الأخشاب وبني في هذه الفترة البيت الوردي المشهور في محلة (حارة) "احمد سوباشي"في سلانيك (وهو البيت الذي يقال أن مصطفى كمال ولد فيه) ، وبعد مدة نراه يدمن على الخمر بسبب كساد تجارته وإفلاسه كما يقال، ويموت من حزنه وكدره.
ويصف شوكت ثريا الانهيار النفسي والمعنوي والمادي عنه قائلا:"بعد فترة من الأزمة مر بها علي رضا أفندي نراه هذه المرة ضمن إطار عمل أكثر تواضعا إذ انه قرر القيام بتجارة الملح، ولكن الظاهر أن الملح بقي متراكما دون تصريف من متجره أو في مخزنه، بل إن ابنته مقبولة، تقول بان الملح ذاب جميعه في المخزن، عند ذلك فقد الثقة بنفسه وفقد الأمل في التجارة، وبدأ من جديد بالبحث عن وظيفة رسمية صغيرة، ولكنه لم يجدها وكان من الطبيعي أن يبدأ بالانهيار، وهكذا ترك علي رضا نفسه للخمر بعد أن فقد كل دعائمه، وتبع ذلك المرض إذ أصيب بسل الأمعاء، وبعد ثلاث سنوات قاسى فيها آلام المرض توفي وعملاه 47سنة على الأغلب".
ويضيف شوكت ثريا قائلا"إن من الأصوب أن علي رضا أفندي ارتحل وهو منهار انهيارا من الناحية المادية ومن الناحية النفسية والمعنوية كذلك، إذ ليس من الممكن تجاهل العوامل النفسية لان تأثيرها لم يكن يقل عن تأثير العوامل المادية بحال من الأحوال، ذلك لان علي رضا أفندي كان شخصا بسيطا على قدر حاله، بينما كانت زبيدة اصغر منه سنا بكثير وكانت جميلة جدا، ولكنه لم يستطع أن يسعدها".
ولكن المسألة لم تكن في انه لم يستطع إسعادها بل كون زبيدة لعوبة وكونه لم يستطع تحمل لعوبتها أو قبول الطفل الذي أريد إلصاق به، وكونه قد غلبه آخر الأمر هذا الشعور من الحزن.
إن عدم حشمة زبيدة وخفتها ثابتة بشكل متواتر من الجيل الماضي الذي شهد تلك الفترة وتلك البيئة، بل إننا نستطيع أن نستشف هذا من بعض كلمات شوكت ثريا في قوله:
"كانت زبيدة شانها شان النساء الأكثر سنا منها تستخدم أدوات الزينة، ومع أنها لم تكن بحاجة إليها، إلا أن استعمال وسائل الزينة هذه كانت من العادات التي لا يمكن التخلي عنها"
(1) الرجل الصنم، ضابط تركي سابق، ص:38 - 40.