الصفحة 5 من 42

القديمة والحديثة من أناس تستروا بالإسلام والجهاد عملوا على إذكاء الفتن واشعالها بالتحريش والتهييج وإثارة الاراجيف والإشاعات واستعمال الشعارات البراقة والمصطلحات الإسلامية من الجهاد والبيعة والخلافة والدولة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمغازلة شعور الناشئة ودغدغدتهم.

قال أبو زهرة في كتابه تاريخ الجدل ص 146:"إنَّهم ليشبهون في استِحْواذ الألفاظ البرَّاقة على نفوسهم، واستيلائه على مداركِهم - اليعقوبيِّين (فرقة نصرانيَّة) الَّذين ارتكبوا أقسى الفظائع في الثَّورة الفرنسيَّة، فقد استوْلت على هؤلاء ألفاظ (الحرية والمساواة والإخاء) وباسمها قتلوا النَّاس، وأهرقوا الدماء، وأولئِك استولت عليهم ألفاظ"لا حكم إلا لله"و"البراءة"، وباسمها أباحوا دِماء المسلمين، وخضبوا البلاد بها، وشنُّوا في كلِّ مكان غارات، وكانت الحماسة وقوَّة العاطفة ميزةَ اليعقوبيين والخوارج"انتهى.

وتجدهم معتقدين بذلك الضلال متمسكين به خصوصا ما يهم مسألة تحكيم الشريعة بلا مبالاة ولا خوف من الغرب والشرق زعموا؛ فيرون أنهم يقيمون الشريعة ويوطدون دعائمها بلا مبالاة من راض وساخط ولا يرن غيرهم كذلك

لذا قال شاعرهم [1] :

حمدنا الله ذا النعماء أنّا=نحكم ظاهرين ولا نبالى

مع استعمال العصبية القبلية والنعرة العشائرية واستغلالها حيث شكل هذا الموضوع عاملا مؤثرا على مر التاريخ الإسلامي.

إن الإنحراف العقدي لا يبدأ دفعة واحدة بل يتدرج رويدا رويدا فهو يبدأ في الغالب صغيرا، ثم يكبر؛ فقد روى الدارمي في سننه (210) : أن أبا موسى الأشعري قال لعبد الله بن مسعود: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا. قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول هللوا مائة فيهللون مائة ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟

قال: ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك وانتظار أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم. ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك

(1) شعر الخوارج: 209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت