الانتشار، ونزعت إلى الشَّره، وأعداها على ذلك ثلاث: دنيا مؤثرة، وأهواء مُسْرِعة، وضغائن محمولة، يوشك أن تنفر فتغير" [1] ."
وقال أيضًا محذرًا من أسباب الفتنة:"فَإِنَّ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ صَائِرٌ إِلَى الابْتِدَاعِ بَعْدَ اجْتِمَاعِ ثَلاثٍ فِيكُمْ: تَكَامُلُ النِّعَمِ، وَبُلُوغُ أَوْلادِكُمْ مِنَ السَّبَايَا، وَقِرَاءَةُ الأَعْرَابِ وَالأَعَاجِمِ الْقُرْآنَ" [2] .
و هذه النظرة التي نظرها عثمان ورأى من خلالها أسباب الفتن هي نفسها الأسباب التي أدت الى الفتن في الجهاد الشامي فكثرة المال والغنائم والموارد وسبل الدعم والرغبة في التفرد والسيطرة أدت الى بروز التنافس ومن ثم التنازع, و دخول عناصر غرة فتية إلى الجهاد لم تتلق القدر الكافي من العلم والتربية والخبرة, و دخول عناصر عجمية لا تفقه لسان العرب وفقه الدين واستغلال هذه الفئات من قبل بعض النفوس المشبعة بحب الإمارة والسلطة [3] , مع الجهل المدوي لا أقول لدى عموم الناس والمجاهدين بل لدى الكثير من القيادات سواء الشرعية أو العسكرية.
وهناك عامل آخر وهو استيعاب الجماعات لعناصر وقعت في ردة سابقة كالانتساب الى الأحزاب العلمانية كالبعث أو الجيوش المرتدة المحاربة للإسلام حيث إن هذه العناصر أسلمت وتابت ولكن تبقى لديها من طغيان الطبع ما يجعلها تنحرف؛ فلم يتغير عندها سوى الشعارات، (و قد ندم عثمان رضي الله عنه على تجاوز سياسة التقييد التي فرضها الخليفتان قبله تجاه المرتدين، وكان يرى أن عامل الزمن الذي مضى على عهد الردة كاف لأن يتخلص من كان قد ارتد من رواسبها، واجتهد عثمان فاستعمل أهل الردة استصلاحا لهم، فلم يصلحهم ذلك، بل زادهم فسادا) [4] وجعل قائلهم يتمثل قول القائل:
وكنت وعمرا كالْمُسَمِّن كلبه=فخدشه أنيابه وأظافره [5] .
ففي مثل هذه الأجواء نشأت الفتنة في عصر عثمان وهي كذلك في هذه الحقبة من الجهاد الشامي؛ فالناس مهيئون لقبول الفتن لما سبق من أسباب ولا ننسى دور السبئية
(1) التمهيد والبيان للاندلسي، ص 64.
(2) تاريخ الطبري (5/ 245) .
(3) وما يأسى له قلب كل من عنده خلق أن هؤلاء القادة يغررون بجنودهم لإشباع رغباتهم بالإمرة والسلطة ليحصد الأمراء النعيم المزعوم، وقد قال بعض من دعي لنصرة بعضهم في قريب من هذه المواقف شعرا:
ولستُ بقاتِلٍ رجلًا يُصلي=على سُلطان آخر من قريش
له سلطانه وعليَّ إثمي=معاذَ اللهِ من جهلٍ وطيشٍ
أأقتُلُ مسلمًا في غير جرمٍ ... فليسَ بنافِعِي ماعشتُ عيشي
(4) ذكر هذه الحقيقة التاريخية الطبري في تاريخه (4/ 158)
(5) تاريخ الطبري (3/ 238)