الصفحة 3 من 42

إلى الساحل غربا ومن الوسط إلى حدود تركيا شمالا لا يخشى إلا الله, وتمر من مئات الحواجز فما إن يسمع منك القائمون عليها أنك مجاهد حتى يلقون عليك التحايا ويفتحون لك الطريق بكل ود وحب دون سؤال عن فصيل أو جنسية, وكثر الخير وتفاءل المسلمون بقرب الفرج والنصر, ولكن ظاهر الأمر لم يكن كباطنه وحقيقته:

أرى تحت الرّماد وميض نار=فيوشك أن يكون لها ضرام

فإنّ النّار بالعودين تذكى=وإنّ الحرب أوّلها الكلام

واشرأبت الفتنة وأطلت برأسها؛ فتابع كل مسلم مراقب كيف آل حال جماعة البغدادي إلى تكفير المسلمين وقتل خيار المجاهدين وحصار المرابطين وإعانة النصيريين؛ بما لا يعد المنكر له به إلا معاندا مكابرا لا يقبل بالحق ولا يتابع الحقيقة؛ فإن الانحراف يبدأ يسيرا ثم لا يفتأ حتى يكبر ويتعاظم لذا أثر عن ابن عمر- رضي الله عنه - انه قال: (ما ابتُدِعت بدعة إلا ازدادت مضيًا ولا تُركت سنة إلا ازدادت هَوِيًّا) [2] .

فبراءة من التصورات والأفكار والتي تحولت في أرض الشام إلى مناهج تنفذ اختلقها المارقة، ورآها المسلمين عيانا، وشاعت في عدة مناطق، وحتى لايتسع هذا الضلال كتبنا هذا المبحث إعذارا وإنذارا.

قال ابن تيمية:"فلما شاع في الأمة أمر الخوارج، تكلمت الصحابة فيهم، ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث فيهم، وبينوا ما في القرآن من الرد عليهم، وظهرت بدعتهم في العامة".

أكتب هذه الرسالة ابراء للذمة وتأدية للأمانة وتعليما للأمة وللعامة.

فأقول: لو أردنا أن نفهم أحداث اليوم فلنسقطها على أحداث الماضي وعلى الفتنة الكبرى فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه, قال الإمام الزهري:"ولي عثمان اثنتي عشرة سنة أميرا للمؤمنين، أول ست سنين منها لم ينقم الناس عليه شيئا، وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب؛ لأن عمر كان شديدا عليهم، أما عثمان فقد لان لهم ووصلهم) [3] ، ثم حدثت الفتنة بعد ذلك, وقد انتبه الخليفة الراشد عثمان لما قد يحصل مستقبلًا حيث قال في رسالة له إلى الأمراء: (أما بعد، فإن الرعية قد طعنت في"

(1) البيتين لنصر بن سيار انظر زهر الأكم في الأمثال والحكم - (ج 1 / ص 46) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 397) وأساس البلاغة - (ج 1 / ص 276) تاريخ ابن خلدون (15/ 20) البداية والنهاية، ج 10، ص 32.

(2) رواه ابن بطة في الإبانة .ورواه ابن وضاح في (( البدع والنهي عنها ) (ص 44) .

(3) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 47)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت