المثال الرابع: كذلك الحج تمرين عملي على تهذيب الأخلاق، فقال جل وعلا: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ (197) } [البقرة] ، فالإنسان عندما يطوف مع الناس ويذهب للسعي، فيقع في الازدحام، ومع شدة الزحام ورمي الجمرات قد يؤذيك أحد الناس بيده أو بصدره أو برجله، فالحج يعطيك دورة تدريبية على الانضباط الأخلاقي والسلوكي، وكيف تصبر على أذى الناس، فلا تنفعل أو تغضب، بل تمسك نفسك وأعصابك.
هذه لمحة بسيطة وسريعة عن هذه العبادات العظيمة وهذه الشعائر التعبدية، وأنها ليست فقط علاقة بين العبد وربه، بل حتى هي تدريب عملي وتمرينٌ على الاِنضباط الأخلاقي والسلوكي.
الأمر الثاني: الذي يدعونا إلى أهمية الأخلاق في حياة المسلم أن كثيرًا من الناس أصبح عندهم اِنفصام بين قضية الأخلاق وقضية العبادة، فتجده في العبادة مجتهدٌ في غاية الاِجتهاد، ومن أحسن الناس، ولكن تجده في التعامل السلوكي والأخلاقي صفر على الشمال، وربنا سبحانه وتعالى في كتابه يربينا، ولم يهمل هذا الجانب، فعندما يذكر ربنا سبحانه صفات عباده المؤمنين: فمرة يذكر صفة تعبدية، ومرة يذكر صفة أخلاقية، سأعطيكم مثالين على ذلك:
في سورة المؤمنون قال ربنا سبحانه وتعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) } ، هذه صفة تعبدية، والتي بعدها: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) } ، هذه صفة أخلاقية، فالمؤمن يعرض عن اللغو، وعن الباطل، وعن الكلام الذي ليس فيه فائدة، الصفة التي بعدها: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) } ، هذه صفة تعبدية، {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) } ، هذه صفة أخلاقية، فالإنسان لابد أن يحفظ فرجه، ولا يزني؛ لأن الذي يزني يعتبر عنده سوء في الأخلاق، ويعتدي على حرمات الآخرين، الصفة التي بعدها قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) } ، هذه صفة أخلاقية، يعلمك الإسلام أنك