السؤال:
ما حكم من يتحاكم إلى القانون الوضعي عند الضرورة، علما بأن البلاد ليس بها محاكم شرعية تفصل في النزاعات بين الناس؟. وهل يكفر بمجرد التحاكم أم يعذر بجهله في المسألة؟.
الجواب:
اعلم- بارك الله فيك- أن هذه المسألة من أعظم ما ابتلي به المسلمون في القرون الأخيرة، لما في ذلك من إماتة ثلاثة أرباع الدين بتعطيل أحكام القرآن الصريحة، والسنة المطهرة الصحيحة، ولم يبتل المسلمون بهذا الأمر هكذا في غالب ديارهم وجميع أحكامهم منذ بداية الإسلام إلى عصورنا الأخيرة. ولكن كان بعض ملوك الجور يتجاوزون الشرع بما يسمونه «سياسة» [1] فيردعهم العلماء ويبينون لهم انحرافهم، على أن ذلك كان ضربا من الهوى والتأويل، ولم يكن قانونا تلزم به محاكم المسلمين، فإنه لم ينصب قط في ديار الإسلام قضاة يحكمون بغير شريعة الإسلام.
غير أن التتار لما احتلوا ديار المشرق الإسلامي حتى هدموا الخلافة العباسية سنة 656 هـ، وقتلوا الخليفة -رحمه الله تعالى- [2] دخلهم الإسلام شيئا فشيئا، فالتزموا الصلاة والعبادات بعدما تكلموا بالشهادتين، لكنهم ما التزموا بسائر شرائع الإسلام في الدماء والفروج والمعاملات، وجهاد الكفار والولاء على الإسلام.
بل كانوا يحكمون بقانون جدهم"جنكيز خان"المسمى بـ"الياسق"، وهو جملة من الأحكام التي تخالف الشرع، وقد توافقه وتوافق غيره من الملل [3] . وضعه لهم فالتزموه ووالوا من قام به ولو كان عدوا لله، وعادوا من خالفه ولو كان وليا لله تعالى. فهؤلاء هم الذين بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية [4] كفرهم لما هاجموا
(1) :أنظر مجموع الفتاوي"لشيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 391) والصارم المسلول على شاتم الرسول (1/ 16) ."
(2) :أنظر:"البداية والنهاية"لابن كثير (187/ 13) و (233/ 13) .
(3) :أنظر تفسير ابن كثير (3/ 131) . وا"لبداية والنهاية"لابن كثير (13/ 137 - 138) .
(4) :"هو شيخ الإسلام العلامة الإمام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام المشهور هو وآله بابن تيمية، الحراني الدمشقي الحنبلي .. ولد سنة 661 هـ .. برع في العلم صغيرا ... أشهر من أن يترجم له مثلي، توفي رحمه الله سنة 728 هـ بسجن القلعة بدمشق".