فانظروا، بارك الله فيكم، كيف يصف ابن القيم أكثر من يوصف بالدين من أهل زمانه بأنهم من أقل الناس دينا. والله المستعان، فإننا نلاحظ هذا كثيرا في زماننا نحن، فكثير من رجالات الحركة الإسلامية بسائر تلاوينهم وطوائفهم، كانوا من أعظم الأسباب في السكوت عن العديد من المنكرات بزعم الحكمة والنظر الصحيح. بل إن كثيرا من أهل الدين بعد أن كانوا من أشد الناس في دينهم وتغييرهم للمنكر تحولوا للباطل بزعمالمراجعات والنظر الحسن وتفهم الواقع.
ثم قال ابن القيم، رحمه الله:"و أي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك ودينه يترك وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغم عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين وخيارهم المتحزن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه وفي ماله لبذل وتبذل وجد واجتهد واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة حسب وسعه، وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون وهو موت القلوب، فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل."
و يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"و لما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه فيه من ذلك ليطلب السلامة من الفتنة كما قال الله تعالى عن المنافقين: {ألا في الفتنة سقطوا} . يقول:"إن نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد فتنة عظيمة قد سقط فيها، فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بالوقوع في فتنة عظيمة قد أصابته."
هذا ولترك شعيرة الحسبة التي هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نتائج سيئة يمكن اختصارها فيما يلي:
1.كثرة الخبث. كما في حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها الذي قدمته آنفا. فإن الباطل إذا لم يجد ما يصده يكثر ويفشو. كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في كتابه لأمير المدينة الذي يأمره فيه بأن يأمر العلماء بالجلوس للناس وإفشاء العلم في المساجد:"و ليفش العلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا."