في وسطها فجعل يحفرها بفأس معه، فقال الذي يليه: لا تحفر فتغرقنا، فقال اللآخر: دعه فإنما غرق نفسه»، فهذه الرواية تبين لنا أن العديد من أهل الخير يختلفون فيما بينهم في تغيير المنكر، ومن ذلك أن مفسدا نكرة يتظاهر بباطله فيحتسب عليه البعض، فيأتي آخرون ويقولون لهم: دعوه حتى لا تشهروه، فليفعل ما شاء. فإذا بذاك النكرة يشتهر أمره ويستقطب الشباب لأفكاره حتى يصبح رقما صعبا يصعب على الصالحين القضاء على باطله. بل يتطور الأمر حتى يتهم الصالحون بأنهم هم الغلاة المتطرفون الجهلة، إلى غير ذلك من الأوصاف القبيحة التي ما كنا نتصور أن نسمعها في مجتمع إسلامي.
و كم من المنكرات العظيمة التي ظهرت في بلاد المسلمين في السنوات الأخيرة، فقد تغير الوضع بشكل كبير، والسبب في ذلك هو التهاون في إنكار المنكرات. والناس طرفان ووسط في تغيير المنكرات. فمنهم من يتسرع في تغيير المنكرات باستخدام المراتب الثلاث، ويتأول حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» ، وأناس آخرون دائما يفزعون إلى أضعف الإيمان، وينسون أنهم يستطيعون أن يغيروا باللسان بل وباليد، فبتهاونهم هذا ينتشر المنكر ويستشري، وهم يحسبون أنهم يعملون الحكمة، والحكمة تحتاج لنظر دقيق وتشاور. فالطرف الأول تهور فاستعدى السلطات عليه فأعملت فيهم سجنا ومحاكمات ظالمة فكان عاقبة أمرهم النكوص على أعقابهم ومراجعة أفكارهم، أو على أقل الأحوال الصمت وترك ما كانوا عليه من الخير، أو يطول سجنهم وبلاؤهم. وفي جميع الأحوال فقد ربح الباطل جولة من جولات الصراع. وأسعد الناس من كان وسطا بين الطرفين.
و يقول الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، في كتابه"إعلام الموقعين عن رب العالمين":"و قد غر إبليس أكثر الخلق بأن حسن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطلوا هذه العبوديات فلم يحدثوا قلوبهم بالقيام بها، وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس دينا، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به فتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ عند الله وعند رسوله من مرتكب المعاصي، فإن ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي بأكثر من ثلاثين وجها ذكرها شيخنا في بعض تصانيفه. ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وبما كان عليه هو وأصحابه تبين له أن أكثر من يشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينا، والله المستعان."