الصفحة 54 من 66

و الأحاديث التي وردت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخطورة تركهما كثيرة، وكلامي أمامكم هو كمن يبيع التمر في هجر، فأنتم بحمد الله أهل العلم والفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكم فضل عظيم في إحياء هذه الشعيرة الطيبة.

و الله سبحانه وتعالى يقول: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ، وفي قراءة نافع: {ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض} . وذلك لأن سنة التدافع أمرها عظيم، فهي سمة كونية جعلها الله في هذه الدنيا، فما من خير أو شر إلا ويدفع بمقابله، ولذلك إذا سكت أهل الخير فإن الشر سينتشرو سيستشري إذا لم يجد من يقصده.

و يعجبني في هذا المقام ما ذكره الشيخ رفاعي سرور رحمه الله تعالى في كتابه:"عندما ترعى الذئاب الغنم": كلما غاب موسى عليه السلام حضر السامري. فهذه قاعدة، وهي أنه إذا غاب الأخيار وسكتوا وقبلوا بالأمر الواقع وخشوا جور السلطان والعقوبة وما سينالهم في دعوتهم فإن الباطل سيستشري ويكثر وسيصل إلى داخل دورنا وبيوتنا. وكم باطل نراه الآن أمام أعيننا لم يكن يتصور سلفنا أن يحدث، بل كثيرمن باطل لم نكن نتصور أن يحدث ونحن نراه، لكن بصمت أهل الخير وسكوتهم واستهانتهم بالباطل أصبح واقعا.

و الباطل طبيعنه أن يبدأ صغيرا ثم يكبر تدريجيا، فإذا استهان به الصالحون عند بدايته صعب عليهم بعد ذلك تغييره، إذ هو عند بدايته تستنكره نفوس الخاصة والعامة ويستهل تغييره لاستبشاع الجميع له، غبر أنه مع الزمن وصمت الناس تتعود عليه النفوس وتستهين به كما قال الله تعالى: {فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} .

فالناس إذا رأوا الباطل وتكررت رؤيتهم له تعودوا عليه حتى يصبح لديهم حقيقة واقعة. وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع بسفينة ففي حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا بهم، فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء. فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم» . رواه البخاري في"الصحيح"، وفي رواية أبي الشيخ الأصبهاني في كتاب"الأمثال": «مثل القائم على حدود الله والمداهن في حدود الله مثل ثلاثة نفر جلسوا في سفينة أحدهم في صدرها والآخر في أسفلها والآخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت