فهذا الحديث فيه تصريح بسنة من سنن الله تعالى في خراب القرى وهلاك الأمم وانهيار الحضارات وهي أن غلبة الأشرار وفشو الخبث موذن بالهلاك والدمار، وإن كان الأخيار موجودين. والمقصود بكثرة الخبث، والله تبارك وتعالى أعلم، ظهوره واستعلانه حتى لا يكاد ينكر. ولذلك بوب الإمام مالك رحمه الله تعالى على مثل هذا الحديث بقوله: باب ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة. ثم روى أثرا عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال: (إنه كان يقال إن الله تعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة لكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا العقوبة كلهم) .
فالخاصة إذا عملوا المنكر جهارا ثم لم يغير كان هذا سببا قويا في فشو المنكرات وظهورها وكونها صارت أحوالا طبيعية تستمرئها النفوس ولا تستعر منها وهذا دليل على انحراف مقاييس المجتمع وقيمه فيستحق بذلك العقوبة الربانية ولذلك روى جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا» . رواه أبو داود وغيره وله طرق.
و الحاصل أن الله سبحانه وتعالى قد سخط ولعن قوما سبقونا وحكى لنا ذلك حتى نتعظ عندما تركوا هذه الشعيرة قال الله سبحانه وتعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبيس ما كانوا يفعلون} .
و عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قال: (يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» ) . رواه أحمد في مسنده وهو أول حديث فيه ورواه أبو داود والترمذي وغيره وهو حديث صحيح.
و عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «و الذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» رواه الترمذي وغيره وهو حديث صحيح، وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم» رواه البزار ونسبه الهيثمي للطبراني في الأوسط وهو حسن بمجموع طرقه.