الصفحة 16 من 66

بل إن المسلم يجوز له التحاكم لهذه المحاكم إذا لم يجد بابا لأخذ حقه غير ذلك. لكن يجب ألا يرضى إلا بما يوافق شرع الله تعالى، وإذا حكمت له المحكمة بشيء يخالف ذلك فلا يجوز له القبول به، ولا أخذ شيء فوق حقه. [1]

نعم؛ لو أن إنسانا تورع عن التحاكم لهذه المحاكم ورضى بضياع حقوقه، واستعان بالله تعالى؛ فهذا يؤجر على ذلك، لكنه لا يجوز له أن يلزم الناس باختياره. فإن الناس يَضِنّون بأموالهم وأمتعتهم، ولا تسمح نفوسهم بتركها تضيع وهم ينظرون. ولذا جاز في دين الله دفع العدو الصائل بما يندفع به كيفما كان ولو بقتله.

فكذلك يجوز استرداد الحقوق عن طريق المحاكم وردع الجناة والمجرمين، فإن ذلك أهون الشرين. وقاعدة الشرع أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن الفقه مبني على معرفة أدنى الشرين وأعلى المصلحتين. [2]

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية النجاشي ملك الحبشة رحمه الله تعالى، وقال إنه لم يكن يطبق الشريعة الإسلامية، لكنه كان ينصر المسلمين ويؤويهم، ولم يكن بمقدوره فعل أكثر من ذلك، فإنه لو أقام دين الله كله لقام عليه الأحباش وخلعوه، وضاعت مصلحة بقائه ونصرته للإسلام في بلاده وتقليل الشر. وقد قام عليه بعض الحبشة فعلا كما ثبت في قصة الصحابة الذين هاجروا للحبشة، فأرسلوا الزبير بن العوام رضي الله عنه لينظر لهم حال المعركة، فلما بشرهم بانتصار النجاشي على عدوه فرحوا بذلك فرحا عظيما.

و هاك نص كلام ابن تيمية بحروفه:

« ... وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه فصلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفًا وصلى عليه وأخبرهم بموته يوم مات وقال: «إن أخاكم صالحًا من

(1) : أقول لهؤلاء الغلاة ها هو الشيخ أبو محمد المقدسي في رسالته"الثلاثينية في التكفير"-و هو ممن لايعذر بالجهل في الشرك- والشيخ أبو قتادة عمر بن محمود الفلسطيني -فك الله أسره- في أشرطة سمعية بعنوان:"الأجوبة القتادية على الأسئلة الأسترالية"بينوا كلهم أن نفس التحاكم ليس مناط التكفير. بل إني لا أعلم عالما معتبرا من المعاصرين من شتى الطوائف كفر بإطلاق المتحاكم للقوانين الوضعية. و الله أعلم.

(2) : يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"... وعلى هذا استقرت الشريعة بترجيح خير الخيرين ودفع شر الشرين وترجيح الراجح من الخير والشر المجتمعين"إ. هـ"الإستقامة" (1/ 439) .و يقول أيضا:"والرسل بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وتقديم خير الخيرين على أدناهما حسب الإمكان ودفع شر الشرين بخيرهما".إ. هـ"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" (2/ 215) .

و يقول-رحمه الله-:"وَقَدْ كَتَبْت مَا يُشْبِهُ هَذَا فِي"قَاعِدَةِ الْإِمَارَةِ وَالْخِلَافَةِ"وَفِي أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا وَأَنَّهَا تُرَجِّحُ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وَشَرَّ الشَّرَّيْنِ وَتَحْصِيلِ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَتَدْفَعُ أَعْظَمَ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا."إ. هـ"مجموع الفتاوي" (20/ 48) . وكلامه كثير في هذه المسألة في كثير من مؤلفاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت