وانخلع منه، لأن العلماء أجمعوا على أن من كذب بآية من القرآن فقد كذب به كله. ومن أنكر معلوما من الدين بالضرورة فقد كفر.
قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران:85) ، والدين في لغة العرب هو: المنهاج والقانون. [1] قال تعالى: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} . (يوسف:76)
لكن إذا نظرنا لحال عوام المسلمين اليوم في كثير من البلاد الإسلامية؛ نجد أنهم يغلب عليهم الجهل بالدين وأحكامه، لقلة العلماء الربانيين، والتضييق عليهم، ثم لتقصير غالبهم عن القيام بواجباتهم الشرعية، مع قوة أهل الباطل وتحكمهم في مقاليد الأمور، وسيطرتهم على الصحافة والإعلام.
وإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- [2] يعذر عوام أهل زمانه في أمور كثيرة فيها خروج عن الدين، وعذرهم عنده: غياب من يبين لهم الآثار النبوية ودروسها في غالب بلاد المسلمين. إذا كان يقول هذا في القرن الثامن وفيه من أيمة العلم أمثاله وأمثال الذهبي والمزي وابن القيم وابن كثير والسبكي وغيرهم من أيمة الدين؛ فماذا نقول نحن في القرن الخامس عشر زمن دروس العلم وغياب العلماء وأفول نجمهم؟!.
هذا وعامة الناس يتحاكمون للمحاكم وهم لا يخطر على بالهم أنهم يخالفون شرع الله تعالى، فكثير منهم لا يعرفون أن لله حكما في البيوع والمعاملات، بل كثير من المتدينين يتاجرون ولم يقرأوا رسالة في أحكام المعاملات ولا رفعوا بها رأسا، فكيف بالعامة والدهماء؟!. [3]
وإذا علم العامي أن لله حكما في مسألة فإنه يتحاكم للقانون اضطرارا لأخذ حقه، لأنه لا يجد بابا لأخذ حقه إلا المحكمة التي تحكم بغير الإسلام. فهو بذلك مضطر. كما أن قصده هو أخذ حقه الذي أعطاه له الشرع ودفع الصائل عليه الظالم له بما تيسر له.
فمن زعم أن التحاكم للمحاكم القانونية الوضعية كفر مطلقا دون نظر لهذه الأعذار؛ فهو جاهل لا يدري ما يخرج من رأسه.
(1) :لسان العرب (8/ 175) .
(2) :يقول ابن تيمية:"كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالفه"إ. هـ"الرد على البكري" (2/ 731) .
(3) :بل كثير من المتدينين ممن يبدع ويفسق ويكفر الناس بالجهل أو الهوى واقع في البيوع المحرمة -ابتداء من الربا- إلى أخمص قدميه، وهذا من بلاء الله له حيث شغل نفسه بما لا يصلحها. نسأل الله السلامة والعافية.