كان رحيل الملك فهد - وهو الرجل المريض الغائب عن الحياة العامة منذ اكثر من عقد - مؤشرا كبيرا على تفشي ثقافة النفاق والتزلف لدى جمهور كبير من الإعلاميين العاملين في الإعلام العربي المرئي منه والمقروء.
فالرجل والذي تعاني بلاده من أحوال أمنية مضطربة، وهي مكبلة بالديون والقروض، وقد انفقت مئات المليارات على جيش لم يستطع حماية حدود بلاده عند الحاجة اليه, كما ان المجتمع المحلي قد تفشت فيه مظاهر الفقر والبطالة وكثير من الأمراض الإجتماعية المزمنة، والتي يمكن اختصار بعضا من صورها في قضية"برجس"والاستقبال النسوي الحافل لـ"هشام عبد الرحمن"بطل"ستار اكاديمي"في احد أسواق الرياض.
وان شئت ان تكون اكثر تحديدا فتحدث عن خبر ساقته صحيفة"الرياض"السعودية في الحادي عشر من ديسمبر الماضي، عن اكتشاف السلطات الامنية في غضون عام واحد؛ ثلاثين وكرًا للدعارة في مدينة الطائف الصغيرة الوادعة.
الرجل تحول الى"الخليفة الخامس الراشد"والى"القائد الملهم"والذي صنع العجائب وابتكر المعجزات!
كانت ثقافة النفاق والتزلف وتيارها الهادر أمرا مؤلما، والمرء يرقب ويراقب العالم الغربي يغزو الفضاء ويبتكر الاختراعات، والدول الآسيوية تلاحق العالم الصناعي ... فيما نحن نعيش مهرجانات التصفيق والتلفيق.
بيد أن البعض لم يكتف بثقافة النفاق، فاراد ان ينشر فينا ثقافة الخزعبلات والترهات!
فقد ذكرت صحيفة سعودية أن مشهد تشييع جنازة"خادم الحرمين الشريفين"الراحل الملك فهد بن عبد العزيز، بما اتسم به من بساطة وبعد عن التكلف والمبالغة؛ أثر في قسيس إيطالي شهير، بصورة دفعته إلى اعتناق الدين الإسلامي ونطق الشهادتين!
وقالت صحيفة"الرياض"السعودية في عددها الصادر [الجمعة: 19/ 8/2005م] إن قسيسا - احتفظت باسمه! - تابع عبر الفضائيات تشييع جثمان الملك فهد بن عبد العزيز، الذي تصادف مع تشييع جثمان شخص آخر في نفس الوقت، ولاحظ أن لا فروقات بين الجثتين، حيث تمت الصلاة على جثمان الملك والجثمان الآخر معًا، وكان لهذا المنظر وقع في نفسه، الأمر الذي"بدل حياته"- على حد قول الصحيفة - عندما رأى"صورة المساواة في الإسلام، وشدة البساطة التي شاهدها العالم بأسره في مقبرة العود، فلا فرق بين قبر ملك وحاكم عظيم وقبر شخص آخر"! مما دفعه إلى إعلان إسلامه!
وقال أحد المهتمين بشؤون الدعوة الى الإسلام للصحيفة: (إن القسيس الذي أعلن إسلامه كانت هناك جهود طيلة 15 سنة لمحاورته حول الإسلام وتقريبه إليه، ولكنها محاولات لم تثمر عن شيء حتى شاهد القسيس تشييع جنازة الملك فهد) !
وقال المصدر للصحيفة إن القسيس أخبره"لم تهزني كتبكم ولا رسائلكم ولا مجادلاتكم بقدر ما هزني ما رأيت في جنازة الملك فهد رحمه الله من بساطة وسماحة"!
وأضاف:"ان مشهد يوم الثلاثاء سوف يكون له تأثير في نفوس الكثير ممن هم على شاكلتي ممن تابع التشييع"!
الخبر المفبرك - على الارجح - تم نشره في مجال واسع في فضاء الانترنت ...
في موقع إسلامي شهير، يشرف عليه رجل من رموز"تيار الصحوة"المفترضين!
وفي موقع تابع لقناة فضائية شهيرة، تتباهى بأنه تنقل الحقيقة، والتي تصف قوات الاحتلال الامريكية بـ"المتعددة الجنسيات"والمقاومة العراقية بـ"الارهاب"... هذه القناة العلمانية - والتي لا تبث البرامج الدينية - تحول موقعها برحيل الملك فهد الى وكيل يأخذ البيعة ويتقبل التعازي.
فالقسيس الشهير لم يتم نشر اسمه! والإسلام وفكره وابعاده الانسانية والعلمية قد عجزت عن استمالة الرجل! غير ان بساطة جنازة"ملك عظيم"ومساواتها بجنازة رجل عادي؛ سلبت لب هذا القسيس وقادته الى الإسلام!
مساواة في الممات ... فكيف كانت تلك المساواة في الحياة؟!
لقد ترك الملك الراحل ما يقدر بأربعين مليار دولارا، وخلف قصور شاهقة ومنازل فارهة، حتى في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وكانت المرافق الصحية لطائراته من الذهب والمعادن النفيسة، ولا تسل عن العواصم والمصايف الغربية والعالمية، وعلى الاخص جنيف، والتي بكت الراحل - حسب الصحف السويسرية - زبونا ينفق عشرات الملايين في رحلاته الاستجمامية مع حاشيته الضخمة!
ألم يتأمل القسيس الفوارق في الحياة، وتجسدت عنده المساواة في مظاهر الجنازة فحسب؛ فأسلم؟!
أن القلم والفكر والكلمة أمانة ... وليست مهنة فحسب, فعلى العاملين في المجال الإعلامي ان يتحلوا ببعض من الصفات الإنسانية، والحد الادنى من الأخلاق، وان يكفوا عن نشر ثقافة النفاق والخزعبلات.
بقلم؛ ياسر سعد، 15/رجب/1426هـ