الصفحة 6 من 16

6.قد يقال إنَّ ثمة كتبًا أُخرى تحملُ اسم"البديع"من مثل"البديع"لابن المعتز، و"البديع في نقد الشعر"لأسامة بن منقذ، و"بديع القرآن"لابن أبي الإصبع المصري. والجواب أَنَّ هذه كتب نقد وبلاغة تَحَدَّث عنها غير واحدٍ من الباحثين منهم الدكتور محمد زغلول سلام في كتابه"تاريخ النقد العربي" [1] .

تشهد البقايا المبثوثة في بطون الكتب النحوية بالقدم الراسخة لمؤلف الكتاب وسعة إحاطته، ويبدو هذا من تعويل كبار علماء العربية عليه فقد ذكره أَبو حيان في ثمانية وثلاثين موضعًا من كتابه الارتشاف، وذكره السيوطي في كتابه"همع الهوامع"في ستة عشر موضعًا وذكره في الأشباه والنظائر في موضع واحد، وذكره ابن هشام الأنصاري في"المغني في موضعين"وصرَّح السيوطي في"بغية الوعاة"بأنَّ أبا حَيَّان"قد أكثر من النقل عنه". وحين يذكر أبو حيان يذكر عَلَمٌ من أعلام العربية يُعْتَدُّ بعلمه ويوثق برأيه ويرجع إليه في عويص المسائل ومقفلات العربية وحسبي ما ساقه السبكي في وصف أبي حَيّان قال:"شَيْخُ النُّحاة العَلَمُ الفَرْد، والبحر الذي لم يعرف الجَزْر بل المدّ، سيبويه الزمان، والمبرِّد إذا حمي الوطيس بتشاجر الأقران، وإِمام النحو الذي لقاصده منه ما يشاء، ولسان العرب الذي لكلِّ سمع لديه الإِصغاء، كعبة علمٍ تُحَجّ ولا تَحُج وَيُقْصَدُ من كلِّ فج تَضْرِبُ إليه الإبل آباطها، وتَفِدُ عليه كل طائفةٍ سَفَرًا لا يعرفُ إلاّ نمارقُ البيد بساطها" [2] .

فإذا كان هذا هو حال أبي حيان من السمو والرفعة وعلو المنزلة، فَلَنا أَن ندرك مكانة الغزني حين يكثر من النقل عنه رجل كأبي حيان. وصرَّح ابن هشام في المغني بأَنَّ الغزني"خالف -في كتابه- أَقوال النحويين في أُمورٍ كثيرة" [3] وهذه المخالفة لا تتأتى إلاّ لمن أَحاط بمسائل العربية إحاطة عميقة، وملك أسباب الاجتهاد والقدرة على النظر والتفتيش وطول التأمل في بطون الكتب النحوية. ويعضد ما نقوله ان الغزني ارتبط اسمه مع كبار علماء العربية الذين ذاع صيتهم وانتشر عبر القرون من مثل الزمخشري، وابن الحاجب وابن مالك. قال أَبو حيان"قال صاحبُ البديع وابن مالك: أهل الحجاز يظهرون خبر لا ... وبنو تميم لا يثبتونه" [4] وقال أبو حيان أَيضًا"وتابع الزمخشريُّ صاحب البديع وابن هشام" [5] وقال السيوطي:"خَرَّجه على ذلك ابن الحاجب ومحمد بن مسعود الغزني" [6] . ويبدو أَنَّ شخصية الغزني في كتابه البديع شخصية قوية

(1) انظر تاريخ النقد العربي للدكتور محمد زغلول سلاّم، 1/ 131، 2/ 320، 2/ 342.

(2) طبقات الشافعية الكبرى، 9/ 276

(3) المغني، 2/ 128

(4) الارتشاف، 2/ 166

(5) الارتشاف، 2/ 315 ووقع فيه"الزمخشريَّ، ولعلَّ الصواب ما أَثبتناه لأن الغزني توفي سنة 421 كما في كشف الظنون، وتوفي الزمخشري سنة 538 كما في بغية الوعاة 2/ 280"

(6) همع الهوامع، 2/ 57

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت