الصفحة 24 من 26

ذهن المتلقي في بدأة تلقيه، وهذا يقارب ما عبر عنه (بورس) بـ"التأويل المباشر" [1] .

قد يَعْتَبِر الشارح، في إبانة معاني الكلمات في ضوء سَنَنها اللساني، وجهين رئيسين: الأول ماهية المعنى، والثاني هوية المعنى. وتختلف طرائق الكشف عن كل منهما باعتبار الغاية التي يجري إليها الشارح.

-المعنى اللساني والماهية:

يعنى الشارح بماهية المعنى، عند استشعاره غموضًا في الكلمة يُحْوِج إلى إبانة العلاقة بين الاسم والمسمى، أو عند استشعاره حاجة إلى إثبات حقيقة العلامة اللسانية في الواقع الخارجي، والمعنى عندئذ -على ما يرى الشريف الجرجاني- مَقُولٌ في جواب: ما هو؟ [2] .

ويكون الوقوف على ماهية المعنى بتعريف العلامة اللسانية، وقد يكون التعريف معجميًّا خالصًا بصرف النظر عن علاقته بالواقع الخارجي، وقد يحيل إلى واقع خارجي. ومن أمثلة التعريف المعجمي:

-"الفَرَأُ: الفَرَا -يُهمز ولا يُهمز- وهو حِمار الوحش" [3] .

-"المِرْوَد: أداة يكتحل بها" [4] .

-"الرِّشاء: رسن الدَّلو" [5] .

وتندرج التعريفات المتقدمة في ضمن"التعريف الأدنى" [6] ، الذي يشتمل على الصفات الرئيسة في المسمى. وقد يعمد الشارح إلى استجلاب ما ينحو من التعريفات نحو"النمذجة أو القولبة" [7] ؛ من أجل استقصاء ما يسعه من الصفات التي تساعد على تَصَوُّر المسمى أو المعنى تصورًا ذهنيًا دقيقًا، وذلك عندما يرى أن التعريف الأدنى لا يكفي للمصير إلى هذه الغاية، ومن أمثلة ذلك:

-"الأَرْطَى: نبات شجري ينبُت في الرَّمْل، ويخرج من أصل واحد كالعِصِيّ، ورقه دقيق، وثمره كالعُنَّاب. قال أَبو حنيفة: هو شبيه بالغَضَا ينبت عِصِيًّا من أَصل واحد، يَطولُ قدر قامة، وله نَوْر مثل نور الخِلافِ ورائحته طيبة، واحدته أَرْطاةٌ ..." [8] .

-"المُكَّاء: طائر دقيق أبيض طويل الرجلين والعنق وساقاه بيضاوان كبياض جسده، صغير المنقار، قصير الزِّمِكَّى. يكون في كل زمان، وله صفير حَسَن وتصعيد في الجو وهبوط، وهو في ذلك يصفر" [9] .

-"الجُدَّةُ: طريقة كل شيء، وعلامته، والطريقة في السماء والجبل، والجمع جُدَدٌ. قال الفراء: الجُدَدُ: الخِطَطُ والطُّرُق، تكون في الجبال خِطَطٌ بيض وسود وحمر كالطُّرُق، واحدها جُدَّة" [10] .

وإن لم يقنع بما يقع عليه في المعاجم من التعريفات المنمذجة، استظهر بسواها من المُؤلَّفات التي فَصَّلتْ فيها القول ورجَّحت واحدًا من التعريفات، كنقله ما ذكره ابن قتيبة

(1) انظر: دو لودال، السيميائيات أو نظرية العلامات، ترجمة: عبد الرحمن بو علي، دار الحوار، ط 1، اللاذقية، 2004 م، ص 138.

(2) انظر: الشريف الجرجاني، علي بن محمد بن علي (ت 816 ه‍/1413 م) ، التعريفات، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، ط 1، بيروت، 1405 ه‍، ص 281.

(3) عمرو بن قميئة، ديوانه، ص 19، الحاشية 1.

(4) المتلمس الضبعي، ديوانه، ص 147، الحاشية 3.

(5) المثقب العبدي، ديوانه، ص 48، الحاشية 3.

(6) انظر: مارتان، روبير، في سبيل منطق للمعنى، ترجمة: الطيب البكوش، صالح الماجري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، 2006 م، ص 80.

(7) انظر: المرجع نفسه، ص 80، 89.

(8) عمرو بن قميئة، ديوانه، ص 110، الحاشية 5.

(9) المتلمس الضبعي، ديوانه، ص 185، الحاشية 5.

(10) المثقب العبدي، ديوانه، ص 36، الحاشية 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت